أخبار العالم

قادة الجيش الأمريكي يحذرون هيغسيث من إطالة حرب إيران.. هل بدأ الاستنزاف يقيد خيارات واشنطن؟

بعد نحو ستة أشهر من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبدو أن المعركة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى واشنطن.

فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة الجيش الأمريكي على تنفيذ ضربات إضافية ضد أهداف إيرانية، وإنما باتت تتعلق بقدرته على تحمل حرب مفتوحة زمنيًا من دون استنزاف الموارد التي يحتاج إليها لمواجهة خصوم آخرين حول العالم.

وفي تطور بالغ الدلالة، كشفت صحيفة واشنطن بوست أن عددًا من كبار القادة العسكريين الأمريكيين حذروا وزير الدفاع بيت هيجسيث من أن استمرار العمليات واسعة النطاق ضد إيران لفترة أطول أصبح غير مستدام، وقد يضعف قدرة القوات الأمريكية على التعامل مع تهديدات أخرى، بما فيها تهديدات تستهدف الأراضي الأمريكية نفسها. وجاءت التحذيرات في تقييم عسكري سري أُدرج في «كتاب أوامر وزير الدفاع» الصادر في 14 أغسطس.

والأكثر أهمية أن بعض القيادات العسكرية لم تكتفِ بالتعبير عن المخاطر، بل سجلت رسميًا موقف «عدم موافقة» (non-concur) على تمديد انتشار قواتها، مع التأكيد في الوقت نفسه أنها ستنفذ أوامر وزير الدفاع. ويكشف ذلك عن اتساع الفجوة بين الضرورات العملياتية التي تراها القيادة العسكرية وبين الرؤية السياسية للحرب التي تريد إدارة الرئيس دونالد ترامب إبقاء جميع خياراتها العسكرية مفتوحة.

«أكثر من اللازم ولفترة طويلة».. المؤسسة العسكرية ترفع مستوى التحذير

وفق المعلومات التي نقلتها واشنطن بوست عن مسؤولين مطلعين على التقييم، فإن الحرب أصبحت بالنسبة إلى بعض القيادات العسكرية «أكثر من اللازم ولفترة طويلة»، خصوصًا مع غياب موعد واضح لنهايتها.

وتحافظ القيادة المركزية الأمريكية على أكثر من 50 ألف جندي في حالة تأهب منذ أشهر تحسبًا لأوامر جديدة بالتصعيد، بينما ينص جدول الانتشار الحالي على إبقاء بعض القوات في الشرق الأوسط حتى سبتمبر، وأخرى حتى عام 2027.

هذه المدة تحمل دلالة استراتيجية مهمة. فالجيش الأمريكي صُمم للعمل على أساس القدرة على الانتشار العالمي، وليس تركيز نسبة كبيرة من قدراته البحرية والجوية والدفاعية في مسرح واحد إلى أجل غير مسمى.

وبالتالي، فإن استمرار حرب إيران لا يستهلك القوات التي تقاتل داخل الشرق الأوسط فقط؛ بل يؤدي إلى إعادة توزيع للقوة الأمريكية عالميًا، وهو ما قد يخلق فراغات أو نقاط ضعف في مسارح أخرى.

البحرية الأمريكية.. الحلقة الأضعف

ربما يكون الوضع داخل البحرية الأمريكية أكثر المؤشرات وضوحًا على حجم الاستنزاف.

فوفق التقييم الذي اطلعت عليه الصحيفة، قال قائد العمليات البحرية الأدميرال داريل كاودل إن البحرية لا تستطيع الحفاظ على مستوى الدعم الحالي للحرب الإيرانية، خصوصًا في ظل عدم وجود موعد متوقع لنهاية العمليات. والأكثر إثارة للقلق أن نحو ربع أسطول المدمرات الأمريكي فقط أصبح جاهزًا للانتشار، مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

ولا يتعلق الأمر بعدد السفن المتاحة فحسب، بل بدورة حياة الأسطول بأكملها. فتمديد انتشار السفن والأطقم يعني تأجيل أعمال الصيانة، وإرهاق الأفراد، وتقليص الوقت المتاح للتدريب وإعادة التأهيل.

وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الحرب: قد تنتصر الولايات المتحدة تكتيكيًا في معركة معينة، لكنها تخسر جزءًا من قدرتها على خوض المعركة التالية.

فالجاهزية العسكرية لا تُقاس بعدد القطع الموجودة على الخريطة، وإنما بعدد الوحدات التي يمكنها الدخول في القتال بكفاءة والاستمرار فيه، مع وجود احتياطي قادر على تعويض الخسائر.

الشرق الأوسط يضغط على أوروبا وآسيا

لا يقتصر تأثير الحرب على القوات المنتشرة في المنطقة.

فبحسب التقييم، حذرت القيادة الأوروبية والقيادة الجنوبية من أن سحب السفن وطائرات الاستطلاع والمعدات لدعم القيادة المركزية أدى إلى إضعاف قدرتها على تنفيذ المهام الموكلة إليها، بما في ذلك بعض مسؤوليات الدفاع عن الأراضي الأمريكية. كما اعترض قائد القيادة الأمريكية في المحيط الهادئ، الأدميرال صمويل بابارو، على مستوى الدعم المطلوب منه، بما في ذلك مجموعة حاملة طائرات ومدمرات بحرية.

وهذا التطور يحمل أهمية خاصة في ضوء استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي جعلت الصين والتنافس في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أولوية رئيسية.

فإذا اضطرت واشنطن إلى نقل حاملة الطائرات الوحيدة المخصصة بصورة أساسية للمحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، كما أشارت واشنطن بوست، فإن ذلك يخلق معضلة استراتيجية: كيف تحافظ الولايات المتحدة على الردع في مواجهة بكين بينما تُستهلك مواردها البحرية والجوية في حرب أخرى؟

ولهذا السبب تحديدًا أثار نقص الأسلحة الأمريكية قلق حلفاء واشنطن في آسيا. فقد حذرت تقارير حديثة من أن تراجع مخزونات الصواريخ والاعتراضات الدفاعية الأمريكية يمكن أن يمنح الصين وكوريا الشمالية فرصة لاستغلال نقاط الضعف الناتجة عن تركيز القدرات الأمريكية في الشرق الأوسط.

أزمة الذخائر.. الحرب تستهلك «المخزون الاستراتيجي»

الجانب الأكثر حساسية في الاستنزاف لا يظهر بالضرورة في أعداد الجنود، وإنما في الذخائر عالية القيمة.

تشير واشنطن بوست إلى استنزاف مخزونات صواريخ باتريوت وTHAAD وصواريخ توماهوك، إضافة إلى خسارة نحو 25% من أسطول طائرات Reaper المسيّرة، فضلًا عن تعرض قواعد أمريكية في المنطقة لأضرار بمليارات الدولارات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية لأن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى الذخائر للدفاع عن قواتها في الشرق الأوسط فقط. فالذخائر نفسها تمثل جزءًا من قدرة الردع الأمريكية في أوروبا وآسيا.

وفي حرب كبرى، يمكن أن يصبح معدل استهلاك الذخائر أهم من عدد المنصات العسكرية ذاتها. فالولايات المتحدة قد تمتلك حاملات طائرات ومقاتلات متطورة، لكن قدرتها الفعلية على مواصلة العمليات تعتمد على قدرتها على إنتاج واستبدال الصواريخ والاعتراضات والقنابل بالسرعة التي تستهلك بها.

ولهذا سبق أن حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين من محدودية الذخائر حتى قبل اندلاع الحرب، وفق التقرير، بينما أثارت الحرب مخاوف متزايدة لدى حلفاء الولايات المتحدة بشأن قدرتها على تلبية احتياجاتهم في حال نشوب أزمة أخرى.

أكثر من 750 عسكريًا أمريكيًا أصيبوا

الاستنزاف لا يقتصر على المعدات.

فقد تجاوز عدد العسكريين الأمريكيين الذين أصيبوا خلال الحرب 750 شخصًا بحلول 21 أغسطس، وفق بيانات نقلتها واشنطن بوست عن وزارة الدفاع، مع اقتراب الصراع من شهره السادس.

وكانت رويترز قد أفادت في يوليو بأن تكلفة الحرب وصلت إلى 37.5 مليار دولار حتى ذلك الوقت، بما في ذلك تكاليف متوقعة حتى نهاية سبتمبر، فيما طلب ترامب من الكونغرس قرابة 90 مليار دولار من التمويل الإضافي، معظمها مرتبط بالحرب الإيرانية. كما حذر هيجسيث من أن نقص التمويل قد يفرض قيودًا على التدريب والصيانة والاستثمار في القدرات المستقبلية.

وبذلك تتراكم ثلاثة أنواع من التكلفة: تكلفة بشرية، وتكلفة مادية، وتكلفة استراتيجية.

المعضلة السياسية أمام ترامب

لكن لماذا تستمر واشنطن إذًا؟

المشكلة أن إدارة ترامب لا تريد الانسحاب من الحرب من دون تحقيق نتيجة يمكن تقديمها باعتبارها انتصارًا سياسيًا وعسكريًا. وكان هيجسيث قد حدد منذ بداية العملية أهدافًا طموحة، بينها تدمير القدرات الصاروخية الهجومية الإيرانية، وتدمير إنتاج الصواريخ، وضرب البحرية والبنية الأمنية الإيرانية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

لكن كلما طال أمد الحرب، أصبحت معادلة تحقيق هذه الأهداف أكثر صعوبة.

فإذا صعّدت واشنطن، فإنها تخاطر بزيادة الخسائر واستنزاف الذخائر والقوات.

وإذا خففت العمليات، فإن إيران قد تفسر ذلك باعتباره نتيجة مباشرة للصمود العسكري والسياسي، وهو ما قد يضعف قدرة ترامب على فرض شروطه في أي مفاوضات.

أما الخيار الثالث، وهو إنهاء الحرب عبر تسوية، فيتطلب من الإدارة الأمريكية صياغة اتفاق يمكن تسويقه داخليًا على أنه نتيجة للقوة العسكرية وليس تراجعًا عنها.

وهنا تحديدًا تصبح التحذيرات العسكرية أكثر أهمية؛ لأنها تشير إلى أن الوقت قد لا يعمل بالضرورة لمصلحة واشنطن.

الخطر الأكبر: أن تتحول الحرب من أداة ضغط إلى قيد استراتيجي

الهدف الأساسي من استخدام القوة العسكرية هو تحسين الوضع الاستراتيجي للولايات المتحدة. لكن استمرار الحرب دون أفق واضح قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة.

فكل شهر إضافي من العمليات يعني مزيدًا من الضغط على الأسطول، ومزيدًا من استهلاك الذخائر، ومزيدًا من تمديد انتشار القوات، ومزيدًا من الأموال، وفي المقابل يقل الوقت المتاح لإعادة بناء الجاهزية.

وهذا ما يجعل التحذير الذي وصل إلى هيجسيث أكثر من مجرد خلاف إداري حول جداول انتشار القوات.

إنه تحذير من احتمال نشوء اختلال بين الالتزامات العسكرية الأمريكية والقدرة الفعلية على الوفاء بها.

فالولايات المتحدة تواجه في الوقت نفسه روسيا في أوروبا، والصين في آسيا، وتهديدات متعددة في الشرق الأوسط، إضافة إلى مسؤولية حماية الأراضي الأمريكية والحفاظ على التزاماتها تجاه الحلفاء.

هل تقترب واشنطن من نقطة القرار؟

الرسالة التي يمكن استخلاصها من التقييم العسكري ليست بالضرورة أن الجيش الأمريكي عاجز عن مواصلة الحرب، وإنما أن مواصلة الحرب بالمستوى الحالي لها ثمن استراتيجي متزايد.

وهذه نقطة جوهرية.

فالقيادة العسكرية لا تقول إن الولايات المتحدة لا تستطيع تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران، بل تحذر من أن استمرار الالتزام بالقوة الحالية قد يضعف قدرتها على التعامل مع أزمات أخرى. وفي الوقت نفسه، تؤكد وزارة الدفاع أن قرارات نشر القوات تعتمد على تقييم التهديد والأولويات التي يحددها الرئيس، وأنها لا تناقش علنًا عملياتها الداخلية أو التقييمات السرية.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمام هيجسيث وترامب لم يعد فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة مواصلة الحرب؟

بل أصبح: هل تستطيع مواصلتها دون أن تدفع ثمنًا استراتيجيًا أكبر من المكاسب التي تحققها؟

إذا استمرت العمليات حتى 2027، كما تشير خطط الانتشار لبعض القوات، فقد تتحول حرب إيران تدريجيًا من حملة عسكرية تهدف إلى إضعاف طهران إلى عامل يستنزف المرونة الاستراتيجية الأمريكية عالميًا.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر: إدارة ترامب دخلت الحرب بهدف إظهار القوة الأمريكية وفرض شروطها على إيران، لكن استمرار الحرب طويلًا قد يدفع المؤسسة العسكرية نفسها إلى التحذير من أن الإفراط في استخدام القوة في جبهة واحدة يمكن أن يقلل قدرة واشنطن على استخدام القوة في الجبهات الأخرى.

وبالتالي، فإن التحذير الأخير من كبار القادة العسكريين قد يمثل نقطة تحول في النقاش الأمريكي حول الحرب. فالمعادلة لم تعد بين «الحرب أو السلام» فقط، وإنما بين استمرار الحرب وتكاليفه، وبين الحفاظ على القدرة الأمريكية على خوض أي حرب أخرى قد تفرضها تطورات النظام الدولي.

وفي نهاية المطاف، قد يكون السؤال الأصعب أمام ترامب وهيجسيث هو ما إذا كان تحقيق شروط أفضل مع إيران يستحق المخاطرة باستنزاف جزء من القوة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة للحفاظ على نفوذها وردع خصومها في العالم بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى