أخبار العالمرئيسي

ترامب ينشر صورة لـ159 سفينة إيرانية مدمرة.. ماذا تكشف عن الحرب البحرية على طهران؟

نشر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، صورة دعائية على منصته Truth Social تُظهر مقارنة بين وضع البحرية الإيرانية في عهدي باراك أوباما وجو بايدن من جهة، وإدارة ترامب من جهة أخرى، تحت عنوان «159 سفينة إيرانية». وتُظهر الصورة، التي تحمل طابعًا رقميًا/دعائيًا، سفنًا إيرانية تبحر في الجانب الأول، مقابل سفن غارقة في قاع البحر في الجانب الآخر، في إشارة إلى ما يقول ترامب إنه تدمير واسع للقدرات البحرية الإيرانية.

لكن الرقم 159 لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل بصري؛ فهو جزء من رواية عسكرية وسياسية أوسع تتبناها إدارة ترامب لتأكيد حجم الأضرار التي لحقت بالقوات الإيرانية خلال الحرب، في وقت لا تزال فيه المواجهة الأمريكية الإيرانية مرتبطة بأزمة مضيق هرمز والحصار البحري والضغوط الرامية إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات في المفاوضات.

صورة دعائية تحمل رسالة عسكرية وسياسية

الصورة التي نشرها ترامب ليست تقريرًا عسكريًا أو بيانًا صادرًا عن وزارة الدفاع الأمريكية، وإنما مادة بصرية سياسية نشرها الرئيس على حسابه في Truth Social.

وتظهر الصورة مقارنة مباشرة بين مرحلتين: سفن إيرانية في البحر تحت عنوان Obama/Biden، ثم مشهد لسفن غارقة تحت الماء تحت عنوان Trump. كما تظهر على السفن أعلام إيران، بما يجعل الرسالة الأساسية للصورة واضحة: الإدارة الحالية تريد تقديم الحرب باعتبارها نقطة تحول أنهت أو أضعفت بصورة كبيرة القوة البحرية الإيرانية.

وهذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب الصور الرقمية والرسوم التي تصور تدمير القوات الإيرانية لتعزيز روايته بشأن الحرب.

ففي مايو/أيار 2026، نشر سلسلة من الصور المتعلقة بالحرب على إيران، بينها صور مولدة أو معدلة رقميًا تظهر طائرات مسيرة إيرانية وهي تسقط في البحر وسفنًا إيرانية مدمرة، في وقت كانت فيه واشنطن وطهران تخوضان مواجهة متصاعدة حول السيطرة على الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

https://truthsocial.com/@realDonaldTrump/posts/116561468683142073

من أين جاء رقم 159؟

الرقم الذي ظهر في الصورة يرتبط بتصريحات سابقة لترامب حول حجم الخسائر التي قال إن البحرية الإيرانية تكبدتها.

وفي خطاب ألقاه ترامب في يوليو/تموز، قال إن الولايات المتحدة دمرت 159 سفينة إيرانية، وإن السفن «في قاع البحر». كما سبق أن تحدثت الإدارة الأمريكية عن أعداد كبيرة من السفن الإيرانية التي تم تدميرها خلال العمليات العسكرية.

وفي مارس/آذار، كان ترامب قد أعلن أن القوات الأمريكية أغرقت تسع سفن حربية إيرانية، في بداية العمليات العسكرية، بينما أعلنت الإدارة الأمريكية لاحقًا أرقامًا أعلى بكثير مع استمرار الحرب.

وفي أبريل/نيسان، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الولايات المتحدة دمرت أكثر من 150 قطعة بحرية إيرانية، بما في ذلك سفن تابعة لفئات مختلفة، وأضافت أن القوات الأمريكية استهدفت كذلك مخزونًا كبيرًا من الألغام البحرية الإيرانية.

لكن هنا تظهر نقطة مهمة: عدد 159 الوارد في منشور ترامب هو رقم صادر عن الرئيس والإدارة الأمريكية، وليس رقمًا مستقلًا تؤكده الصورة نفسها.

البحرية الإيرانية.. قوة واحدة أم منظومتان؟

فهم الخسائر البحرية الإيرانية يتطلب التمييز بين مكونات القوة البحرية الإيرانية.

إيران تمتلك قوات بحرية تقليدية تابعة للجيش، إلى جانب القوة البحرية التابعة للحرس الثوري، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الزوارق السريعة، والصواريخ المضادة للسفن، والألغام، وتكتيكات الهجوم غير المتماثل.

وهذا التفصيل مهم للغاية بالنسبة لمضيق هرمز.

فحتى إذا تعرضت القطع البحرية التقليدية الإيرانية لخسائر كبيرة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن قدرة إيران على تهديد الملاحة في المضيق اختفت بالكامل.

وقد أشارت صحيفة The Wall Street Journal إلى أن القوات البحرية التابعة للحرس الثوري، وخاصة الزوارق السريعة، احتفظت بأهمية كبيرة في معادلة السيطرة على هرمز، حتى بعد تعرض أجزاء من البحرية الإيرانية لخسائر كبيرة.

وبالتالي، فإن تدمير السفن لا يساوي بالضرورة إنهاء القدرة البحرية الإيرانية؛ فطهران تستطيع استخدام وسائل أخرى لتعطيل الملاحة أو فرض تكلفة مرتفعة على القوات والسفن التجارية.

مضيق هرمز هو جوهر المعركة

الرسالة المتعلقة بالسفن الإيرانية تأتي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى مضيق هرمز.

المضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن ينعكس على أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، لا تزال الولايات المتحدة تفرض حصارًا بحريًا على إيران، بينما تحاول واشنطن استخدام الضغط على حركة السفن كأداة تفاوضية.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها عطلت سفنًا تجارية وحولت مسار عشرات السفن ضمن عمليات فرض الحصار، كما قالت إنها دمرت عددًا من ناقلات النفط المرتبطة بشبكة ظل تابعة للحرس الثوري الإيراني.

وفي المقابل، طرحت إيران شروطًا لإعادة فتح مضيق هرمز، معتبرة أن الرد الأمريكي على مقترحاتها لم يكن كافيًا.

وقال مسؤول الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، وفق رويترز، إن طهران ترى أن الرد الأمريكي على مقترح إعادة فتح المضيق «غير كافٍ»، بينما تواصل قطر وباكستان جهود الوساطة بين الطرفين.

لماذا يعيد ترامب نشر هذه الرواية الآن؟

التوقيت يحمل دلالة سياسية وعسكرية.

فالحرب التي بدأت في فبراير/شباط 2026 دخلت شهرها السابع، بينما لا تزال المواجهة دون تسوية نهائية. وفي الوقت نفسه، تؤكد إدارة ترامب أنها حققت نجاحات عسكرية كبيرة ضد إيران.

وتكشف تصريحات ترامب المتكررة أن تدمير القدرات الإيرانية يمثل جزءًا أساسيًا من الخطاب الذي تستخدمه الإدارة لتبرير استمرار الضغط العسكري.

لكن استمرار الحرب لفترة أطول من التوقعات التي أعلنها ترامب في بدايتها أصبح بدوره موضع نقاش سياسي داخل الولايات المتحدة.

فقد خلص تدقيق نشرته PolitiFact في أكتوبر إلى أن ترامب سبق أن تحدث مرارًا عن حرب تمتد أربعة إلى ستة أسابيع، قبل أن يعيد لاحقًا تفسير تصريحاته على أنها كانت تتعلق بإزالة التهديد النووي وليس بمدة الحرب بأكملها.

وهكذا يمكن قراءة صورة 159 سفينة باعتبارها جزءًا من محاولة التأكيد على أن استمرار الحرب لا يعني فشل الحملة العسكرية، بل يعكس، وفق الرواية التي يقدمها ترامب، حجم العملية المطلوبة لإضعاف القدرات الإيرانية.

هل يعني ذلك أن البحرية الإيرانية انتهت؟

ليس بالضرورة.

هناك فرق بين القول إن الولايات المتحدة دمرت عددًا كبيرًا من السفن الإيرانية، وبين القول إن إيران فقدت كامل قدرتها على العمل البحري.

فالقدرة على تهديد الملاحة في الخليج لا تعتمد فقط على السفن الحربية الكبيرة.

إيران تمتلك تاريخًا طويلًا في استخدام:

  • الزوارق السريعة.
  • الألغام البحرية.
  • الصواريخ المضادة للسفن.
  • الطائرات المسيرة.
  • الصواريخ الباليستية والمجنحة.
  • تكتيكات الهجمات غير المتماثلة.

وهذه الأدوات يمكن استخدامها من الساحل أو من منصات صغيرة، وبالتالي فإن القضاء على جزء كبير من الأسطول التقليدي لا يعني تلقائيًا السيطرة الكاملة على المياه المحيطة بإيران.

والأحداث الأخيرة تؤكد استمرار هذا التحدي؛ ففي 11 أكتوبر، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها عطلت سفينة تجارية في خليج عُمان بعد أن قالت إنها تجاهلت تحذيرات وحاولت تجاوز الحصار البحري المفروض على إيران.

من الحرب البحرية إلى معركة الإرادات

تكشف قصة الـ159 سفينة عن طبيعة الحرب الأمريكية الإيرانية بصورة أوسع.

المواجهة لم تعد مجرد تبادل للضربات الجوية والصاروخية، وإنما تحولت إلى صراع على حرية الملاحة والطاقة والضغط الاقتصادي والقدرة على فرض شروط التفاوض.

واشنطن تحاول استخدام تفوقها البحري والجوي لإضعاف إيران وإجبارها على قبول ترتيبات جديدة، بينما تحاول طهران الاحتفاظ بأوراق ضغط، وفي مقدمتها مضيق هرمز.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم سفينة إيرانية دُمرت؟

بل: هل تستطيع إيران، رغم خسائرها، الاحتفاظ بقدرة كافية على تهديد الملاحة واستخدام هرمز كورقة تفاوضية؟

ماذا تقول الصورة عن المرحلة المقبلة؟

من المرجح أن يستمر استخدام الأرقام والصور العسكرية في الخطاب الأمريكي، خصوصًا مع استمرار المفاوضات غير المباشرة حول مستقبل الحرب ومضيق هرمز.

لكن تقييم النتيجة العسكرية يحتاج إلى الفصل بين الأرقام التي تعلنها الأطراف المتحاربة وبين التقييمات المستقلة التي يمكن التحقق منها.

والأهم أن الحرب أظهرت أن التفوق البحري الأمريكي لا يلغي تلقائيًا قدرة إيران على استخدام الجغرافيا، والألغام، والزوارق الصغيرة، والصواريخ، والضغط على حركة التجارة.

وفي المقابل، فإن استمرار الحصار والضربات الأمريكية يضع الاقتصاد الإيراني والملاحة الإقليمية أمام ضغوط متزايدة.

لذلك، فإن صورة ترامب التي تقول إن 159 سفينة إيرانية أصبحت في قاع البحر تحمل رسالة تتجاوز الأرقام العسكرية؛ إنها محاولة لتقديم الحرب باعتبارها انتصارًا أمريكيًا واضحًا على القوة البحرية الإيرانية.

لكن الاختبار الحقيقي سيظل في مضيق هرمز: هل تستطيع الولايات المتحدة ضمان حرية الملاحة بصورة مستدامة، وهل تقبل إيران بتسوية تعيد فتح الممر الحيوي، أم يستمر المضيق باعتباره واحدة من أخطر ساحات الصراع بين واشنطن وطهران؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى