بوتين ينقل موقف إيران إلى ترامب.. وواشنطن تتمسك بشروطها لإنهاء الحرب
دخلت التحركات الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة، بعدما نقل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نظيره الأمريكي دونالد ترامب موقف طهران من التسوية المحتملة، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في خطوة تعيد موسكو إلى واجهة الجهود الرامية إلى احتواء الصراع، رغم استمرار الخلافات بشأن شروط إنهائه.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، السبت 10 أكتوبر 2026، إن بوتين نقل إلى ترامب وجهة نظر الجانب الإيراني بشأن إمكانية تسوية النزاع، وفق ما أوردته وكالة «إنترفاكس» الروسية، ونقلته وكالة «رويترز». ولم يكشف الكرملين تفاصيل الموقف الإيراني أو رد الرئيس الأمريكي عليه، ما يجعل نتائج الاتصال غير واضحة حتى الآن.
ويأتي التحرك الروسي بعد اتصال هاتفي بين بوتين وترامب الجمعة، وقبل ذلك لقاء جمع الرئيس الروسي ببزشكيان في تركمانستان، على هامش قمة رابطة الدول المستقلة، حيث أبدى بوتين استعداد بلاده للمساعدة في إنهاء الحرب.
بوتين يتحرك بين طهران وواشنطن
تعكس الاتصالات الروسية الإيرانية ثم نقل الموقف إلى واشنطن محاولة من موسكو لتوظيف علاقاتها مع الطرفين في فتح مسار دبلوماسي يمكن أن يفضي إلى تسوية. لكن نقل الرسائل لا يعني أن الأطراف اقتربت بالضرورة من اتفاق، خصوصًا أن الخلافات الأساسية بين واشنطن وطهران لا تزال قائمة.
وبحسب تقرير لوكالة «فرانس برس» نشرته «المونيتور» في 10 أكتوبر، فإن بوتين أبلغ ترامب بالموقف الإيراني خلال اتصال الجمعة، من دون أن يوضح الكرملين كيف استقبل الرئيس الأمريكي الرسالة أو ما إذا كانت تضمنت مقترحات جديدة. وأشار التقرير إلى أن الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من سبعة أشهر وصلت إلى طريق مسدود منذ الصيف.
وكان بوتين قد اجتمع ببزشكيان في تركمانستان يوم الخميس، وأعلن استعداد روسيا لبذل كل ما في وسعها للمساعدة في تسوية النزاع. ونقلت «الجزيرة»، استنادًا إلى تقارير وكالتي «فرانس برس» و«رويترز»، عن الرئيس الروسي قوله إن إيران تبذل جهودًا حقيقية لإنهاء الحرب، التي قال إنها اندلعت من دون أن تكون طهران مسؤولة عنها.
وتشير هذه التصريحات إلى رغبة موسكو في الظهور وسيطًا دبلوماسيًا، مستفيدة من قنوات الاتصال المفتوحة مع القيادة الإيرانية. غير أن قدرتها على تحويل هذه القنوات إلى اتفاق فعلي ستظل مرتبطة بمدى استعداد واشنطن وطهران لتعديل مواقفهما.
ترامب يرفض مقترحًا إيرانيًا ويتمسك بشروطه
في المقابل، لا تزال إدارة ترامب تتعامل بحذر مع المقترحات الإيرانية لإنهاء الحرب، إذ سبق للرئيس الأمريكي أن أعلن رفضه مقترحًا إيرانيًا نُقل إلى واشنطن عبر وسطاء قطريين، وكان يتضمن مسارًا لوقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز.
وفي تقرير نشرته «رويترز» في 27 سبتمبر، قال المبعوث الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إن طهران طلبت الحصول على كل شيء مقدمًا، بما في ذلك رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، مقابل وعد بالدخول في مفاوضات لاحقة. وأضاف أن ترامب لا يثق في أن إيران ستتفاوض بحسن نية بشأن إنهاء برنامجها النووي.
وتوضح هذه التصريحات جوهر الخلاف بين الجانبين: تريد طهران معالجة ملفات وقف الحرب والحصار المفروض على موانئها والعقوبات قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع، بينما تصر واشنطن على أن أي تسوية يجب أن تتضمن ضمانات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وفي تقرير آخر نشرته «رويترز» مطلع أكتوبر، أفادت الوكالة بأن المقترح الإيراني شمل وقف الأعمال القتالية، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، وتخفيف العقوبات النفطية. وقالت مصادر إيرانية للوكالة إن واشنطن تريد إدراج البرنامج النووي ضمن المفاوضات، في حين تتمسك طهران بضرورة تنفيذ شروطها أولًا.
وبذلك، لا يتمثل التحدي في نقل المواقف بين العاصمتين فحسب، بل في الاتفاق على ترتيب الخطوات التي تسبق وقف الحرب، والضمانات التي تحول دون تجددها.
مضيق هرمز في قلب المفاوضات
يظل مضيق هرمز أحد أبرز الملفات التي تعرقل التسوية، نظرًا إلى أهميته في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وقد أدى النزاع بشأن الملاحة في المضيق إلى تعقيد فرص التوصل إلى اتفاق، بعدما ارتبطت إعادة فتحه بشروط إيرانية وبتطورات العمليات العسكرية الأمريكية.
وأشارت «رويترز» إلى أن مذكرة تفاهم أُبرمت بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو وضعت إطارًا لإنهاء النزاع، لكن الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز أدت إلى استئناف العمليات العسكرية الأمريكية. كما لم تحقق المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة اختراقًا حاسمًا.
ويعني استمرار الخلاف حول المضيق أن أي مبادرة روسية ستحتاج إلى معالجة الملفات الأمنية والاقتصادية في وقت واحد، بدلًا من الاكتفاء بوقف مؤقت للعمليات العسكرية.
هل تستطيع موسكو تحقيق اختراق دبلوماسي؟
تمتلك روسيا قنوات اتصال مباشرة مع القيادة الإيرانية، كما أنها قادرة على التواصل مع واشنطن، وهو ما يمنحها فرصة لنقل الرسائل وتوضيح المواقف وربما المساعدة في صياغة تفاهمات أولية. لكن هذه المزايا لا تعني أن موسكو تستطيع إجبار أي من الطرفين على تقديم تنازلات.
وفي تحليل نشرته «المونيتور» في 10 أكتوبر، رأت الصحيفة أن عرض بوتين المساعدة يمنح روسيا فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، لكنه يثير أيضًا تساؤلات بشأن قدرتها على التأثير الفعلي في مسار الحرب. فالعلاقة الوثيقة بين موسكو وطهران قد تسهل الاتصال بالقيادة الإيرانية، لكنها لا تضمن تغيير المطالب الأمريكية أو التأثير في قرارات إسرائيل.
وتواجه الوساطة الروسية اختبارًا إضافيًا بسبب تعدد الملفات المتشابكة في الصراع، من البرنامج النووي الإيراني والعقوبات إلى أمن الملاحة في الخليج ومستقبل العمليات العسكرية. كما أن فشل الجولات السابقة من المحادثات غير المباشرة يفرض على أي مبادرة جديدة تقديم صيغة قابلة للتنفيذ، لا مجرد إعادة طرح المواقف المعلنة.
واشنطن تتحدث عن المفاوضات وسط استمرار التهديد العسكري
تزامن التحرك الروسي مع تصريحات أمريكية تشير إلى استمرار المسار الدبلوماسي، من دون استبعاد الخيارات العسكرية بصورة نهائية. وذكرت شبكة «سي بي إس نيوز»، في تغطيتها بتاريخ 9 أكتوبر، أن ترامب أعلن عدم استئناف الضربات الأمريكية على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، متحدثًا عن محادثات وصفها بأنها مثمرة، من دون الكشف عن تفاصيلها.
لكن هذا الموقف لا يعني التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب. فالإدارة الأمريكية لا تزال تتمسك بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما تؤكد طهران أن رفع الضغوط والحصار يمثل شرطًا أساسيًا للتقدم في المفاوضات.
وفي الوقت نفسه، أفادت «أسوشيتد برس» في تقرير نشرته يوم 10 أكتوبر بأن الحرب المستمرة منذ سبعة أشهر تزيد الضغوط الاقتصادية على الطرفين؛ إذ تواجه إيران تداعيات العقوبات والحصار البحري، بينما تتسبب اضطرابات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود في ضغوط داخل الولايات المتحدة.
وتعكس هذه المعطيات وجود دوافع اقتصادية وسياسية للبحث عن تسوية، لكنها لا تكفي وحدها لإزالة الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي وشروط وقف الحرب.
رسالة بوتين تفتح قناة جديدة ولا تحسم نهاية الحرب
يمثل نقل بوتين الموقف الإيراني إلى ترامب خطوة دبلوماسية جديدة في وقت تتعثر فيه المحادثات المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران. وقد تمنح هذه الخطوة موسكو دورًا أكبر في الوساطة، خصوصًا إذا تبعتها مقترحات واضحة بشأن وقف القتال ومضيق هرمز والعقوبات والملف النووي.
لكن حتى الآن، لم يعلن الكرملين تفاصيل الرسالة الإيرانية أو رد ترامب عليها، ولم يصدر ما يؤكد قبول الطرفين إطارًا جديدًا للتسوية. كما أن الخلاف حول ترتيب الالتزامات والضمانات لا يزال عقبة رئيسية أمام أي اتفاق.
وعليه، فإن التطور الأبرز ليس اقتراب نهاية الحرب بقدر ما هو فتح قناة جديدة لنقل المواقف بين الأطراف. أما نجاح الوساطة الروسية، فسيعتمد على قدرتها على تحويل الرسائل الدبلوماسية إلى تفاهمات محددة، وعلى استعداد واشنطن وطهران لتقديم تنازلات متبادلة تتيح وقف القتال بصورة قابلة للاستمرار.












