واشنطن تعلن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية: “إما أن تنهي تهديداتها أو ننهيها”

أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن بلاده ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، بعد ساعات من منح لجنة نوبل جائزة السلام للقاضية السابقة في المحكمة نافي بيلاي. وجاء الإعلان بصيغة حادة، إذ توعد بـ”شلّ قدرة المحكمة على العمل”. وسارعت المحكمة والاتحاد الأوروبي وثماني دول، بينها إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، والأمم المتحدة إلى رفض الخطوة، بينما هنأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن.
ما قاله روبيو
قال روبيو: “سنحظر المعاملات مع هذه المحكمة الخارجة على القانون، ونحرمها من مواردها، ونشلّ قدرتها على العمل”. وذكر أن بيلاي عملت قاضية في المحكمة من عام 2003 إلى 2008.
وتتخطى الإجراءات الجديدة العقوبات السابقة التي طالت قضاة ومدعين بأسمائهم، وقد تصيب أيضاً شركات تقدم خدمات للمحكمة.
وأكد روبيو أن الرئيس دونالد ترامب “لن يسمح أبداً” للمحكمة بملاحقة مواطنين أمريكيين، مشيراً إلى أن الحزبين متفقان على ذلك، لكن ترامب وحده “يملك العزم اللازم” لإنهاء هذا التهديد نهائياً. وقال: “إما أن توقف المحكمة تهديداتها، أو ننهي نحن المحكمة”.
وأضاف أن واشنطن تتوقع من حلفائها، ومنهم كثيرون أطراف في المحكمة ويعتمدون على الجيش الأمريكي في دفاعهم، أن “يكبحوا” هذه المحكمة الخارجة على القانون، وإلا فإنها ستواصل حملتها لتفكيكها “لبنة لبنة” إلى أن يزول التهديد عن الأمريكيين.
نتنياهو يشيد
وأعرب نتنياهو عن ارتياحه للقرار، وهنأ ترامب وروبيو في بيان على “إكس”. وقال إن المحكمة “ليست محكمة، بل هيئة سياسية تمثل خطراً قاتلاً على الديمقراطيات الملتزمة بالقانون وعلى فكرة السيادة الوطنية نفسها”.
وتتحفظ واشنطن منذ وقت طويل على مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة بحق مسؤولين إسرائيليين، ومنهم نتنياهو، وعلى تحقيق سابق في أفعال الجيش الأمريكي في أفغانستان أُغلق لاحقاً. وكان ترامب قد حثّ الدول الأعضاء، وعددها 125، على الانسحاب منها، واتهمها بأنها “خارجة عن السيطرة”.
المحكمة: “هجوم على سيادة القانون”
وفي بيان من لاهاي، رأت المحكمة أن العقوبات “هجوم على سيادة القانون وعلى الأسس ذاتها للنظام القانوني الدولي”، وتوجّه ضربة قاسية لمبدأ أن “لا أحد فوق القانون”. وأضافت أن “التاريخ سيحكم على هذه اللحظة”.
وقالت رئيسة المحكمة توموكو أكاني إن المؤسسة ستمضي في أداء ولايتها “بالكامل واستقلال ونزاهة”، معتمدة على القانون والأدلة فقط، خدمةً لضحايا الجرائم الجسيمة. لكنها شددت على أن المحكمة “لا تستطيع التحرك وحدها”، وأن مصيرها صار كذلك بيد الدول التي أنشأتها. ودعت إلى “إجراءات ملموسة”، منها ضمان توافر الوسائل اللازمة لاستمرار عملها، وتساءلت كيف ستحكم الأجيال القادمة، وخصوصاً ضحايا الفظائع، على رد فعلنا حين استُهدفت مؤسسة أُنشئت لحمايتهم.
الاتحاد الأوروبي: القرار “مؤسف بشدة”
أعلنت المفوضية الأوروبية استعداد الاتحاد لـ”اتخاذ كل التدابير اللازمة” لتمكين المحكمة من العمل، ولحماية مصالح المتعاملين الأوروبيين داخل السوق الموحدة. وقالت إن من “المؤسف بشدة” أن تعلن واشنطن عزمها فرض العقوبات، وإن بروكسل ستتعاون عن كثب مع المحكمة لضمان فاعلية عملها.
وأوضحت أن هناك فترة انتقالية من ستة أشهر قبل دخول الإجراءات حيز التنفيذ، ما يترك “مجالاً للحوار”. وأكدت التزامها بالعمل مع الدول الـ125 الأطراف في نظام روما الأساسي لصون استقلال المحكمة.
ثماني دول: “معارضة حازمة”
وأصدر وزراء خارجية إيطاليا وكندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا واليابان وهولندا وبريطانيا بياناً مشتركاً أكدوا فيه “دعمهم الدائم وغير المتزعزع” لاستقلال المحكمة ونزاهتها، معربين عن “أسفهم ومعارضتهم الحازمة” للعقوبات المعلنة.
وقالوا إنهم يرحبون بما أنجزته المحكمة من استعدادات كي تواصل أداء مهامها، لكنهم حذروا من أن العقوبات، لو طُبقت، ستؤثر بشدة في نشاطها وموظفيها وأسرهم. وأكدوا مواصلة حوار “بنّاء وشامل” مع الدول غير الأطراف في نظام روما، تمهيداً لجمعية الدول الأطراف المقررة في ديسمبر 2026.
هولندا: الحماية “لبنة لبنة”
وردّ رئيس الوزراء الهولندي روب يتن على روبيو بقوله إن بلاده “ستحمي المحكمة لبنة لبنة عند الحاجة”. وأفاد بأن هولندا تتحرك دبلوماسياً بعيداً عن الأضواء لإقناع واشنطن بأن عقوبات قاسية ستلحق الضرر بالعلاقات عبر الأطلسي. وأضاف أن دولاً عدة تعمل على مقترحات لإصلاح المحكمة، وأن الرسالة الموجهة إلى الأمريكيين هي أيضاً: “شاركوا في هذا الحوار وتجنبوا مزيداً من التصعيد”.
الأمم المتحدة: “غير مقبولة”
وأدان المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك العقوبات، وهي بحسب بيانه “الأحدث في سلسلة إجراءات انتقامية” ضد المحكمة وموظفيها بسبب عملهم اليومي لمساءلة المسؤولين عن أخطر الانتهاكات، ووصفها بأنها “غير مقبولة”.












