التصعيد الحوثي يقرب السعودية وإسرائيل أمنيًا.. “جيروزاليم بوست”: اتصالات سرية عبر واشنطن

دخلت المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن مرحلة عسكرية جديدة، بعدما أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء عملية عسكرية واسعة لاستعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بالتزامن مع تحرك سعودي جوي ودعم استخباراتي أمريكي، فيما تكشف تقارير إسرائيلية عن اتصالات أمنية غير معلنة بين الرياض وتل أبيب عبر القيادة المركزية الأمريكية «CENTCOM».
ويأتي هذا التطور بعدما تمكن الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة من السيطرة على مناطق استراتيجية على الساحل الغربي لليمن، بينها مواقع وجزر عند مضيق باب المندب، وشنوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف مرتبطة بالسعودية.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الرياض إلى العمل العسكري لاستعادة زمام المبادرة، تظهر إسرائيل في المشهد من بوابة الاستخبارات والدفاع الجوي ومراقبة القدرات الحوثية، لكن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تثبت انتقال العلاقة إلى تحالف عسكري سعودي–إسرائيلي معلن أو اتفاق استراتيجي شامل.
السعودية تبدأ عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين
أعلن رشاد العليمي بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما وصفه بالأراضي المتبقية من الجمهورية اليمنية، بعد قوله إن جميع فرص خفض التصعيد قد استُنفدت.
وجاء الإعلان عقب تصعيد حوثي واسع، شمل بحسب رويترز إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه منشآت تابعة لشركة أرامكو في الرياض ومنطقة خريص، ردًا على ضربات سعودية ويمنية ضد مواقع الحوثيين.
ولم تؤكد السعودية بصورة فورية الرواية الحوثية بشأن الأضرار الناتجة عن الهجمات، لكن الإعلان اليمني يمثل انتقالًا واضحًا من مرحلة احتواء التقدم الحوثي إلى محاولة عسكرية لاستعادة الأراضي والمواقع الاستراتيجية.
وتدعم السعودية العمليات الجوية، بينما تتولى القوات اليمنية المدعومة من الرياض الجزء الأكبر من العمليات البرية، في إطار خطة تستهدف استعادة مناطق ساحلية ومواقع استراتيجية قرب باب المندب.
وكانت رويترز قد كشفت قبل أيام أن الرياض كانت تدرس عملية يمكن أن تشمل أكثر من 100 ألف مقاتل يمني بحسب حجم الهجوم، مع احتمال تنفيذ عملية محدودة حول باب المندب أو هجوم أوسع على جبهات متعددة في تعز ومأرب والبيضاء والجوف.
باب المندب غيّر حسابات الرياض
لم يعد التهديد الحوثي بالنسبة إلى السعودية محصورًا في الحدود الجنوبية أو الهجمات على المدن والمنشآت النفطية.
فالسيطرة الحوثية على مواقع حول مضيق باب المندب منحت الجماعة ورقة ضغط استراتيجية على أحد أهم طرق التجارة والطاقة العالمية، كما وضعت صادرات النفط السعودية أمام مخاطر إضافية.
وكان تقرير لرويترز في سبتمبر قد وصف سيطرة الحوثيين على مواقع مطلة على باب المندب بأنها واحدة من أخطر الانتكاسات التي تعرضت لها السعودية في اليمن منذ سنوات، مشيرًا إلى أن تقدم الجماعة كشف أيضًا نقاط ضعف في قوات حلفاء الرياض داخل اليمن، ومحدودية الدعم العسكري الدولي المباشر.
ومع تراجع قدرة السعودية على الاعتماد على الحماية الأمريكية المباشرة وحدها، بدأت الرياض البحث عن وسائل إضافية لتعزيز منظومة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والاستخبارات.
وهنا يظهر الدور الإسرائيلي المحتمل.
اتصالات سعودية–إسرائيلية عبر «CENTCOM»
في منتصف سبتمبر، نقلت The Jerusalem Post عن دبلوماسي إقليمي أن السعودية وإسرائيل أجرتا محادثات بوساطة القيادة المركزية الأمريكية بهدف مساعدة الرياض استخباراتيًا في مواجهة الحوثيين.
وبحسب المصدر، ركزت المناقشات على بناء صورة استخباراتية أوسع عن انتشار الحوثيين وقدراتهم والعمليات المحتملة للجماعة. وجاءت هذه الاتصالات عقب اجتماع قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومسؤولين سعوديين.
وأكدت Israel Hayom، في تقرير منفصل، أن الاتصالات بين السعودية وإسرائيل تمت عبر قنوات CENTCOM، وأن الرياض طلبت مساعدة استخباراتية لمواجهة الهجمات الحوثية وحماية المنشآت والبنية التحتية الاستراتيجية.
ووفق مسؤول إسرائيلي نقل عنه التقرير، فإن المساعدة في هذه المرحلة تتركز على الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع عن الأهداف الاستراتيجية، مع إمكانية بحث توسيع نطاقها مستقبلًا.
وهذه نقطة مهمة في فهم طبيعة العلاقة: المعطيات المتاحة تتحدث عن تعاون استخباراتي أو اتصالات أمنية، وليس عن تشكيل تحالف عسكري مشترك.
لماذا تحتاج السعودية إلى المعلومات الإسرائيلية؟
تملك إسرائيل خبرة واسعة في التعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي تواجه منذ سنوات هجمات من جماعات مسلحة مدعومة من إيران.
وتتركز أهمية أي مساعدة استخباراتية محتملة على معرفة مواقع منصات الإطلاق، وأنماط انتشار القوات، ومخازن الأسلحة، ومسارات الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الإنذار المبكر للهجمات.
وقال مسؤول إسرائيلي لـ«Israel Hayom» إن السعودية تعرف القدرات الإسرائيلية في مجال مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإن الرياض تسعى إلى الحصول على مساعدة في مجال الإنذار المبكر والاستخبارات عبر القنوات التي تديرها القيادة المركزية الأمريكية.
وتزداد قيمة هذه المعلومات مع تحول الحوثيين من جماعة تعتمد بصورة أساسية على حرب برية داخل اليمن إلى قوة قادرة على دمج الصواريخ والمسيّرات والضغط البحري والسيطرة على مواقع استراتيجية.
إسرائيل ترى في الحوثيين تهديدًا يتجاوز السعودية
لا تنظر إسرائيل إلى تمدد الحوثيين على أنه مشكلة سعودية فقط.
فباب المندب يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والسيطرة الحوثية عليه تضع الجماعة بالقرب من طرق الملاحة التي تصل إلى ميناء إيلات الإسرائيلي، كما تمنحها قدرة أكبر على التأثير في حركة السفن.
وفي سبتمبر، قال مصدر استخباراتي إسرائيلي لـAl-Monitor إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعارض في الوقت الراهن تنفيذ هجوم استباقي على الحوثيين، لكنها ترى أن التطورات في اليمن تستدعي تشكيل تحالف إقليمي للتعامل مع الجماعة.
وقال المصدر إن قدرات الحوثيين العسكرية والاستخباراتية أصبحت مصدر قلق متزايد، خصوصًا بعد سيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية حول باب المندب.
وبذلك، فإن وجود مصلحة إسرائيلية في مساعدة السعودية على فهم القدرات الحوثية لا يعني بالضرورة استعداد تل أبيب لدخول الحرب اليمنية بصورة مباشرة.
واشنطن هي حلقة الوصل
تلعب الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في أي تعاون أمني محتمل بين السعودية وإسرائيل.
فبدلًا من إقامة قناة مباشرة وعلنية بين الرياض وتل أبيب، تظهر التقارير أن CENTCOM توفر الإطار الذي يمكن من خلاله تبادل المعلومات أو تنسيق الاحتياجات الدفاعية.
وتؤكد رويترز أن واشنطن تقدم بالفعل معلومات استخباراتية ودعمًا مرتبطًا بالاستهداف للعمليات السعودية في اليمن، لكنها لا تشارك حاليًا بقوات قتالية مباشرة في الهجوم.
وكانت رويترز قد ذكرت في سبتمبر أن محمد بن سلمان طلب دعمًا عسكريًا مباشرًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن واشنطن رفضت في تلك المرحلة تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة لصالح السعودية، ووافقت بدلًا من ذلك على مشاركة المعلومات الاستخباراتية ودعم الاستهداف.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا أصبحت الاستخبارات عنصرًا رئيسيًا في الحسابات السعودية.
هل تحولت الاتصالات إلى تحالف استراتيجي؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علنية كافية للقول إن السعودية وإسرائيل أسستا تحالفًا استراتيجيًا سريًا بالمعنى العسكري الكامل.
المتاح من التقارير يتحدث عن اتصالات ومحادثات ومساعدة استخباراتية محتملة، بعضها يتم عبر الولايات المتحدة.
كما أن الرياض لا تزال حريصة على تجنب تحويل هذه الاتصالات إلى تعاون علني مع إسرائيل، وهو ما يعكس حساسية الملف سياسيًا وإقليميًا.
وفي هذا السياق، ظهرت تقارير عن اجتماعات إقليمية شارك فيها مسؤولون إسرائيليون وخليجيون لبحث التطورات، لكن السعودية نفت رسميًا في نهاية سبتمبر مشاركة ممثلين عنها في اجتماع جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإماراتي محمد بن زايد في أبوظبي.
وبالتالي، فإن الحديث عن «تحالف سعودي–إسرائيلي» يتجاوز في الوقت الحالي ما يمكن إثباته من الوقائع المنشورة.
الرياض لا تعتمد على إسرائيل وحدها
في المقابل، تبحث السعودية عن شبكة واسعة من الشركاء لمواجهة التهديد الحوثي.
ففي سبتمبر، عقد رؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان اجتماعات في الرياض لبحث تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العسكري ودمج القدرات، وفق ما أعلنته وزارات الدفاع في الدول الثلاث.
كما أرسلت باكستان معدات وأنظمة دفاع جوي وطائرات مسيّرة وأنظمة مضادة للمسيّرات إلى عدن، بينما استخدمت السعودية طائرات مسيّرة تركية اشترتها قبل الحرب الحالية، وفق مصادر تحدثت إليها رويترز.
وتبحث الرياض بذلك عن مظلة أمنية متعددة الأطراف، بدل الاعتماد على دولة واحدة.
كما أفادت رويترز بأن الصين تحركت دبلوماسيًا لدى إيران بعد طلب سعودي للمساعدة في احتواء الحوثيين، في محاولة لحماية طرق التجارة والطاقة التي تمثل أهمية مباشرة لبكين.
الحوثيون يضعون السعودية أمام اختبار صعب
بالنسبة إلى الحوثيين، فإن تحول السعودية إلى الهجوم يحمل مخاطر كبيرة، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح للجماعة مساحة لتوسيع نطاق الرد.
فقد أعلنت الجماعة بالفعل تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل السعودية، وقالت إن عملياتها جاءت ردًا على الضربات الجوية.
وفي حال استمرار العمليات السعودية، سيكون على الرياض حماية منشآتها النفطية وخطوط الأنابيب والمطارات والمدن، بالتوازي مع دعم القوات اليمنية التي تقاتل على الأرض.
وتشير رويترز إلى أن أحد أكبر مخاوف السعودية قبل شن العملية هو قدرة الحوثيين على الرد بضربات صاروخية ومسيّرة ضد البنية التحتية النفطية. ولهذا طلبت الرياض دعمًا دفاعيًا من عدة شركاء.
من «التعاون السري» إلى اختبار ميداني
التطور الأهم الآن ليس ما إذا كانت السعودية وإسرائيل ستعلنان تحالفًا مشتركًا، وإنما إلى أي مدى يمكن أن يتحول التنسيق الاستخباراتي غير المعلن إلى دعم عملي في الحرب ضد الحوثيين.
فالمعادلة تغيرت خلال أسابيع قليلة: الحوثيون سيطروا على مواقع استراتيجية قرب باب المندب، والسعودية انتقلت من الدفاع إلى التخطيط لهجوم واسع، والولايات المتحدة تقدم معلومات استخباراتية، فيما ظهرت تقارير عن مساعدة إسرائيلية عبر قنوات CENTCOM.
لكن هذا المسار لا يزال محكومًا بقيود سياسية كبيرة.
السعودية تريد استعادة السيطرة على باب المندب ووقف التهديد الذي يطال أراضيها ومنشآتها النفطية، بينما ترى إسرائيل في تمدد الحوثيين خطرًا على أمن البحر الأحمر والملاحة المتجهة إلى إيلات. أما واشنطن فتحاول تنسيق هذه المصالح من دون الانخراط في حرب برية جديدة في اليمن.
وبذلك، فإن ما يمكن إثباته حتى الآن – حسب صحيفة جيروزاليم بوست – هو تقارب أمني سعودي–إسرائيلي حول التهديد الحوثي، مع اتصالات استخباراتية جرت عبر الولايات المتحدة، وليس قيام تحالف استراتيجي معلن أو مثبت بصورة كاملة.
ومع بدء العملية العسكرية اليمنية الجديدة، قد يتحول هذا التعاون من مجرد تبادل معلومات إلى عنصر مؤثر في المعركة، لكن مدى ذلك سيعتمد على مسار الحرب وقدرة الرياض وحلفائها على استعادة المناطق الاستراتيجية، وعلى قدرة الحوثيين على الرد دون توسيع دائرة الصراع الإقليمي.












