الشرق الأوسط

الحرس الثوري يهدد بمنع صادرات نفط المنطقة إذا توقفت صادرات إيران.. هرمز يتحول إلى ورقة ضغط عالمية

عاد ملف النفط ومضيق هرمز إلى واجهة التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، بعدما أطلق مسؤول بارز في الحرس الثوري الإيراني تحذيرًا يربط بصورة مباشرة بين قدرة طهران على تصدير نفطها واستمرار صادرات الطاقة من بقية دول المنطقة.

وقال عزيز غزنفري، نائب القائد السياسي للحرس الثوري، إن إيران لن تسمح بتصدير النفط من أي دولة أخرى في المنطقة إذا توقفت صادراتها، مؤكدًا أن مضيق هرمز يخضع لـ«مراقبة كاملة» من القوات البحرية التابعة للحرس الثوري. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» عن غزنفري قوله: «إذا لم يُصدّر النفط من إيران، فلن يُصدّر النفط من أي دولة أخرى».

ولا يمثل هذا التصريح، في حد ذاته، إعلانًا رسميًا عن إغلاق جديد لمضيق هرمز، لكنه يحمل رسالة استراتيجية واضحة: طهران تريد منع واشنطن من استخدام الحصار البحري لخنق صادراتها النفطية، من دون أن تتمكن في المقابل الدول الأخرى المنتجة للنفط في الخليج من مواصلة تصدير الخام بصورة طبيعية.

من العقوبات إلى الحصار البحري

تأتي هذه التهديدات في ظل تراجع حاد في صادرات النفط الإيرانية نتيجة الحصار البحري الأمريكي.

وبحسب تحليل نشرته رويترز في الأول من سبتمبر، لم تتمكن إيران طوال نحو سبعة أسابيع من إرسال شحنات كبيرة من النفط الخام عبر مضيق هرمز، منذ إعادة الولايات المتحدة فرض حصارها البحري على إيران في 14 يوليو.

وأشارت رويترز، نقلاً عن تقديرات شركات تتبع شحنات النفط، إلى أن إيران حمّلت خلال أغسطس ما بين 220 ألفًا و255 ألف برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات، مقابل نحو 740 ألف برميل يوميًا في يوليو ونحو مليوني برميل يوميًا في مارس. ووفق بيانات Kpler وVortexa وTankerTrackers، لم تتمكن شحنات الخام الإيرانية الجديدة من عبور المضيق باتجاه الصين، التي تمثل أهم مشترٍ متبقٍ للنفط الإيراني.

وهذا التطور يفسر جانبًا مهمًا من التصعيد الإيراني؛ فالمسألة لم تعد مرتبطة بالعقوبات المالية وحدها، وإنما أصبحت تمس قدرة إيران الفعلية على الوصول إلى الأسواق الخارجية وتحصيل عائدات العملات الأجنبية.

طهران توسع معادلة «الكل أو لا أحد»

التهديد الأخير ليس الأول من نوعه.

ففي يوليو، نقلت رويترز عن الحرس الثوري أن صادرات الطاقة الإقليمية إما أن تكون متاحة للجميع أو تُمنع عن الجميع، وذلك بعد إغلاق مضيق هرمز وإعادة الولايات المتحدة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وحذر الحرس الثوري آنذاك من إمكانية إغلاق «جميع ممرات التصدير الأخرى التي تستفيد منها الولايات المتحدة وحلفاؤها»، بينما أشارت رويترز إلى أن محللين رأوا في ذلك احتمالًا لاستخدام حلفاء إيران، ومن بينهم الحوثيون في اليمن، للضغط على ممر باب المندب أيضًا.

وفي اليوم السابق، نقلت رويترز أن الحرس الثوري أعلن أن «قطرة واحدة» من النفط والغاز لن تغادر المنطقة إذا استمرت ما وصفها بـ«الأعمال الشريرة» الأمريكية، معتبرًا أن التحركات الأمريكية لن تؤدي إلا إلى تأخير إعادة فتح مضيق هرمز.

وبذلك، تتبلور تدريجيًا معادلة إيرانية تقوم على ربط أمن صادرات المنطقة بأمن صادرات إيران.

لماذا يمثل هرمز نقطة ضغط شديدة الخطورة؟

تكمن أهمية مضيق هرمز في أنه ليس مجرد ممر ملاحي إقليمي، وإنما أحد أهم الشرايين التي تربط منتجي الطاقة الخليجيين بالأسواق العالمية.

فالمضيق يقع بين إيران وسلطنة عُمان، ويمثل المنفذ البحري الرئيسي لصادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج.

وكانت رويترز قد أشارت إلى أن نحو خُمس إمدادات النفط العالمية كانت تمر عبر المضيق قبل اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران في فبراير.

ومن هنا، فإن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة لا يضغط على إيران وحدها؛ بل يمكن أن يطال السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر وغيرها من المنتجين الذين يعتمدون على طرق بحرية تمر عبر الخليج.

وهذا تحديدًا ما يجعل التهديد الإيراني أكثر تعقيدًا من مجرد تهديد بإغلاق مضيق.

هل تستطيع إيران بالفعل وقف صادرات المنطقة؟

هنا ينبغي التمييز بين القدرة على التهديد والقدرة على تنفيذ حصار كامل ومستدام.

تمتلك إيران حضورًا عسكريًا مباشرًا على الضفة الشمالية لمضيق هرمز، كما يمتلك الحرس الثوري قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وزوارق سريعة وألغام بحرية يمكن استخدامها لتعقيد حركة الملاحة.

لكن وقف صادرات النفط الخليجية بالكامل لفترة طويلة سيكون عملية أكثر تعقيدًا، وقد يؤدي إلى رد عسكري واسع من الولايات المتحدة وحلفائها، فضلًا عن تأثيره المباشر في الاقتصاد الإيراني نفسه.

ولهذا، قد يكون الهدف الإيراني الأساسي هو رفع تكلفة الحصار والضغط على واشنطن بدلًا من إغلاق المضيق بصورة دائمة.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن طهران تواجه بالفعل ضغطًا اقتصاديًا متزايدًا بسبب تراجع صادراتها، ولذلك فإن أي تصعيد طويل الأمد في هرمز سيكون سلاحًا ذا حدين.

الصين في قلب المعادلة النفطية

وتكتسب الأزمة أهمية إضافية بسبب اعتماد إيران المتزايد على الصين باعتبارها المشتري الرئيسي المتبقي للنفط الإيراني.

وبحسب رويترز، أدى الحصار الأمريكي إلى منع وصول شحنات إيرانية جديدة عبر هرمز إلى الصين، فيما اضطرت طهران إلى الاعتماد على النفط المخزن في ناقلات ومخزونات عائمة في آسيا لتلبية جزء من صادراتها.

وهذا يعني أن استمرار الحصار لا يضغط فقط على حركة الناقلات، بل يضغط تدريجيًا على قدرة إيران على توليد العملات الأجنبية وتمويل الإنفاق الحكومي.

وبالتالي، فإن تهديد صادرات دول المنطقة يمكن أن يُفهم باعتباره محاولة من طهران لإيجاد ورقة تفاوض مقابلة: إذا تمكنت واشنطن من تعطيل صادرات إيران، فإن إيران تريد أن تثبت أن هذا الإجراء لا يمكن أن يتم من دون تحمل تكلفة على أسواق الطاقة العالمية.

هرمز بين الحرب والتفاوض

المفارقة أن التصعيد يأتي بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية إقليمية لبحث مستقبل المضيق.

فقد نقلت رويترز في سبتمبر أن اجتماعًا بين إيران ودول خليجية في سلطنة عُمان كان مخصصًا لمناقشة قضايا بينها مضيق هرمز، مع عدم توقع توقيع اتفاق نهائي بشأن وضع الممر الملاحي في ذلك الاجتماع. كما أشارت إلى أن طهران تريد اتفاقًا يسمح لها بتحصيل رسوم من السفن التي تستخدم المضيق، وهو مطلب ترفضه سلطنة عُمان.

وهذا يكشف أن مستقبل هرمز لم يعد ملفًا عسكريًا فقط؛ بل أصبح جزءًا من مفاوضات أوسع تتعلق بأمن الملاحة، والسيادة، وصادرات النفط، وترتيبات ما بعد الحرب.

ماذا يعني التهديد لأسواق النفط؟

إذا تحولت التصريحات الإيرانية إلى إجراءات فعلية تستهدف صادرات الدول الأخرى، فإن الأسواق ستتعامل معها باعتبارها خطرًا مباشرًا على الإمدادات.

لكن التأثير لن يعتمد فقط على عدد ناقلات النفط التي يمكن منعها، وإنما أيضًا على مدة التعطيل، وقدرة الدول المنتجة على استخدام مسارات بديلة، وحجم الاحتياطيات الاستراتيجية المتاحة للدول المستوردة.

وفي المقابل، فإن استمرار انخفاض صادرات إيران يخلق ضغطًا مختلفًا؛ إذ تشير بيانات رويترز إلى أن صادراتها وصلت بالفعل إلى مستويات منخفضة تاريخيًا خلال فترة الحصار الحالية.

ومن ثم، فإن المواجهة النفطية الحالية تقوم على معادلة شديدة الحساسية: واشنطن تستخدم الحصار للضغط على مصدر الإيرادات الرئيسي لإيران، بينما تهدد طهران بجعل صادرات الآخرين جزءًا من تكلفة هذا الضغط.

ولا تعني تصريحات نائب القائد السياسي للحرس الثوري تلقائيًا أن إيران قررت إغلاق مضيق هرمز أو منع صادرات النفط الخليجية، لكنها تمثل رفعًا واضحًا لسقف الردع الإيراني.

فالرسالة التي تكررها طهران منذ يوليو أصبحت أكثر وضوحًا: لا يمكن، من وجهة نظرها، عزل إيران اقتصاديًا مع إبقاء منافسيها الإقليميين قادرين على تصدير النفط بصورة طبيعية.

وبينما تحاول الولايات المتحدة استخدام الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات، تسعى إيران إلى تحويل أمن الطاقة العالمي إلى عنصر ضغط مضاد. ولهذا، فإن مستقبل مضيق هرمز قد يصبح أحد المفاتيح الأساسية التي تحدد ليس فقط مسار الحرب، وإنما أيضًا شكل أي تسوية سياسية مقبلة بين إيران والولايات المتحدة ودول الخليج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى