سيريك.. إعلان المواصفات الدقيقة للذخيرة المستخدمة في الهجوم الأمريكي على حفل الزفاف

تتجه قضية الهجوم الذي أصاب حفل زفاف في مدينة كوهنستك بمحافظة هرمزغان جنوبي إيران إلى مرحلة جديدة، بعد إعلان السلطات القضائية الإيرانية تحديد المواصفات الفنية للذخائر المستخدمة في الضربة، استنادًا إلى تحليل بقايا المقذوفات التي عُثر عليها في موقع الحادث.
وقال رئيس السلطة القضائية في محافظة هرمزغان إن الفحوص الفنية والخبرات الجنائية أظهرت أن الذخائر المستخدمة في الهجوم تعود إلى أسلحة أمريكية موجهة بدقة، مشيرًا إلى أن التحقيقات استندت إلى دراسة الأجزاء المعدنية والإلكترونية والعلامات والرموز والبيانات الفنية الموجودة على بقايا المقذوفات.
ويأتي هذا الإعلان في وقت باتت فيه رواية استخدام ذخائر أمريكية في الهجوم مدعومة أيضًا بتحقيقات إعلامية مستقلة، بعدما فحص خبراء أسلحة صورًا لبقايا الذخائر التي عُثر عليها في موقع الضربة.
ماذا كشفت الفحوص الفنية؟
بحسب الرواية التي أعلنها المسؤول القضائي الإيراني، لم يقتصر تحديد مصدر الذخيرة على شكل الحطام أو طبيعة الانفجار، وإنما استند إلى مجموعة من المؤشرات الفنية، بينها النقوش والرموز الشريطية والتحذيرات المثبتة على مكونات المقذوف.
وتشير هذه العناصر إلى أن أجزاء الذخيرة تنتمي إلى منظومة أسلحة موجهة بدقة، وليس إلى قنبلة تقليدية غير موجهة.
ومن بين أهم القطع التي جرى تحليلها البطارية الحرارية العسكرية، وهي مكون يستخدم لتوفير الطاقة الكهربائية عند تفعيل الذخيرة، بما يسمح بتشغيل أنظمة إلكترونية مختلفة خلال فترة المهمة.
وأوضح المسؤول الإيراني أن الجزء الأسطواني الذي عُثر عليه في الموقع يعود إلى بطارية حرارية عالية الجهد مرتبطة بأنظمة توجيه إلكترونية تستخدم في الذخائر الأمريكية الموجهة.
كما عُثر على قطعة أخرى حددتها السلطات باعتبارها جزءًا من وحدة إلكترونيات الطيران والتوجيه، وهي وحدة تضم مكونات إلكترونية مسؤولة عن معالجة بيانات المسار والتحكم في حركة الذخيرة.
الأدلة لا تقتصر على الرواية الإيرانية
أهمية الإعلان الإيراني تتزايد بسبب وجود أدلة مستقلة تتقاطع معه في نقطة أساسية، وهي أن الذخيرة المستخدمة في الهجوم تبدو أمريكية الصنع.
فقد فحص خبراء أسلحة صورًا لبقايا المقذوفات التي ظهرت في موقع الهجوم، وخلصوا إلى أنها تتطابق مع أجزاء من ذخائر أمريكية موجهة جوًا.
وقالت وكالة أسوشيتد برس إن صور الحطام أظهرت بقايا بطارية حرارية، وجزءًا من زعنفة تحكم، وقطعة من الهيكل الخارجي للذخيرة. واعتبر خبير الأسلحة تريفور بول أن الصور تشير إلى بقايا ذخائر أمريكية من بينها JSOW وGBU-39، مع استمرار تقييم الأدلة لتحديد أي نموذج استخدم فعليًا في الضربة.
وهذه نقطة مهمة في التغطية الصحفية؛ فوجود مكونات أمريكية في موقع الهجوم يدعم تحديد مصدر السلاح، لكنه لا يثبت وحده من أطلق الذخيرة أو ما كان الهدف العسكري المقصود.
جدل حول نوع القنبلة المستخدمة
تطرح طبيعة الحطام سؤالًا تقنيًا حول النموذج المحدد للذخيرة.
ففي حين ربط بعض خبراء الأسلحة الصور بذخائر JSOW وGBU-39، أشارت تحليلات أخرى إلى احتمال استخدام صاروخ جوي موجه من طراز AGM-84K SLAM-ER.
وكانت الجزيرة قد نقلت عن خبراء دفاع قولهم إن شظايا عُثر عليها في كوهنستك قد تكون مرتبطة بنسخة من SLAM-ER، وهو صاروخ جوال يُطلق من الطائرات ومصمم لتنفيذ ضربات دقيقة.
لكن هذه الاختلافات لا تعني بالضرورة وجود تناقض في أصل القضية؛ فقد تكون بعض البقايا ناتجة عن أكثر من ذخيرة خلال الضربة، خصوصًا أن المنطقة تعرضت لأكثر من هجوم، من بينها استهداف برج اتصالات قريب من موقع حفل الزفاف.
ولهذا، فإن تحديد النموذج النهائي للقنبلة يحتاج إلى فحص جنائي كامل للقطع المادية، وليس الاعتماد على الصور وحدها.
ماذا حدث في كوهنستك؟
وقع الهجوم مساء الأول من سبتمبر في مدينة كوهنستك الساحلية بمحافظة هرمزغان، بالقرب من مضيق هرمز.
وكانت عائلات قد تجمعت للاحتفال بزفاف، بينما كانت النساء والأطفال داخل منزل عائلة مالاهي، عندما أصابت إحدى الضربات المبنى.
وأفادت السلطات الإيرانية في البداية بمقتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من 60، بينما ارتفعت الحصيلة لاحقًا إلى خمسة قتلى، وفق تقارير ميدانية حديثة. وكان بين الضحايا طفل يبلغ من العمر أربع سنوات ومراهق يبلغ 16 عامًا.
كما تعرض برج اتصالات قريب من الموقع للدمار، ما أدى إلى اضطرابات مؤقتة في خدمات الاتصالات والإنترنت في المنطقة.
وأظهرت صور وفيديوهات تحققت منها وسائل إعلام دولية أضرارًا واسعة في المنزل الذي كانت تقام فيه المناسبة، إلى جانب انتشار الحطام في المنطقة المحيطة.
الولايات المتحدة تنفي استهداف المدنيين
في المقابل، لم تعلن الولايات المتحدة أن المنزل أو حفل الزفاف كان هدفًا عسكريًا مقصودًا.
وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية إن الجيش على علم بالتقارير المتعلقة بضرب حفل الزفاف، مؤكدًا أن القوات الأمريكية لا تستهدف المدنيين.
وتقول واشنطن إن عملياتها في المنطقة تستهدف منشآت عسكرية إيرانية، بينها أنظمة دفاع جوي ومراكز اتصالات وقدرات مرتبطة بالعمليات البحرية.
وهنا يظهر السؤال القانوني والعسكري الأكثر تعقيدًا: إذا كانت الضربة تستهدف منشأة عسكرية قريبة، فهل كان استهداف الموقع متناسبًا مع الخطر العسكري المتوقع، وهل اتُخذت الاحتياطات الكافية لتجنب إصابة المدنيين؟
وهذه مسائل لا يمكن حسمها بمجرد إثبات مصدر الذخيرة.
إثبات مصدر السلاح لا يساوي إثبات المسؤولية القانونية
تحديد أن الذخيرة أمريكية الصنع يمثل عنصرًا مهمًا في التحقيق، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وقوع جريمة حرب.
فالقانون الدولي الإنساني يركز على سلوك الأطراف أثناء الهجوم، بما في ذلك طبيعة الهدف، والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والتناسب، والاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.
ومن ثم، فإن التحقيق الكامل يحتاج إلى تحديد مجموعة من العناصر:
- ما الهدف العسكري الذي كانت الضربة تستهدفه؟
- ما مصدر المعلومات التي حددت الهدف؟
- هل كانت هناك منشأة عسكرية داخل المبنى أو بالقرب منه؟
- ما نوع الذخيرة المستخدمة ومدى دقتها؟
- هل كان بالإمكان استخدام وسيلة أقل خطورة على المدنيين؟
- هل كانت القيادة الأمريكية على علم بوجود تجمع مدني في المنطقة؟
- وهل وقع انحراف عن الهدف المحدد أم أصابت الذخيرة الهدف الذي جرى اختياره؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد طبيعة المسؤولية القانونية، وليس مجرد بلد تصنيع السلاح.
لماذا يمثل تحديد الذخيرة أهمية استراتيجية؟
يمثل الكشف عن نوع الذخيرة المستخدمة أهمية تتجاوز حادث كوهنستك نفسه.
فالذخائر الموجهة بدقة تعتمد على أنظمة متطورة لتحديد المسار والتحكم فيه، ويُفترض أن استخدامها يسمح للقوات المهاجمة بتقليل الأضرار الجانبية مقارنة بالأسلحة غير الموجهة.
لكن وقوع إصابات مدنية واسعة في منطقة سكنية يطرح تساؤلات حول كيفية اختيار الهدف وتنفيذ الهجوم.
كما أن تحديد نوع الذخيرة قد يساعد المحققين على إعادة بناء العملية: من نوع المنصة المستخدمة في الإطلاق، إلى طبيعة الذخيرة، وصولًا إلى تقدير زاوية السقوط ومسار المقذوف ونقطة الاصطدام.
وبذلك يمكن لبقايا السلاح أن تتحول إلى دليل جنائي وتقني يساعد في تحديد تسلسل الأحداث.
الموقع الجغرافي يزيد حساسية الحادث
تقع كوهنستك بالقرب من مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وكانت المنطقة في قلب التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة، حيث تقول واشنطن إن عملياتها تستهدف قدرات إيرانية مرتبطة بتهديد الملاحة البحرية ومحاولات إغلاق المضيق.
وفي الوقت نفسه، ترفض إيران الرواية الأمريكية وتعتبر العمليات العسكرية استهدافًا لبنيتها العسكرية والمدنية.
ولهذا، فإن الضربة على كوهنستك لا يمكن فصلها عن المعركة الأوسع حول مضيق هرمز.
فاستهداف مواقع عسكرية واتصالات في المنطقة يمثل جزءًا من محاولة الولايات المتحدة تقليص القدرات الإيرانية المرتبطة بالمضيق، لكن إصابة تجمع مدني في هذا السياق تفرض تكلفة سياسية وإنسانية كبيرة على واشنطن.
من التحقيق المحلي إلى المسار الدولي
أعلن رئيس السلطة القضائية في هرمزغان أن السلطات الإيرانية تعمل على إعداد ملف قضائي شامل بهدف ملاحقة من تصفهم بالآمرين والمنفذين، إضافة إلى الجهات التي قامت بتوريد الأسلحة المستخدمة.
وتقول إيران إن الأدلة الفنية والوثائق المتعلقة بالذخائر ستُدرج في الملف تمهيدًا لاتخاذ إجراءات أمام الجهات القانونية والدولية.
ومن الناحية العملية، فإن تحويل الملف إلى قضية دولية يتطلب أكثر من بيانات رسمية؛ إذ ستكون هناك حاجة إلى سلسلة أدلة يمكن التحقق منها، تشمل بقايا الذخائر، وصور الموقع، وشهادات الشهود، وبيانات الأقمار الصناعية، وسجلات الاتصالات، وربما بيانات الطيران والعمليات العسكرية.
وتوفر التحقيقات الصحفية المستقلة، مثل تحقيقات وكالة أسوشيتد برس ونيويورك تايمز، عناصر يمكن أن تكون مهمة في إعادة بناء الواقعة، لكنها لا تحل محل التحقيق القضائي الدولي الرسمي.
كوهنستك.. حلقة جديدة في ملف الضحايا المدنيين
يأتي الهجوم على حفل الزفاف بعد أشهر من ضربة أمريكية أخرى في محافظة هرمزغان نفسها، عندما أصابت ضربة صاروخية مدرسة ابتدائية في ميناب، وفق السلطات الإيرانية، وأسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا، معظمهم من الأطفال.
وتشير تقارير دولية إلى أن كوهنستك تقع على بعد نحو 30 كيلومترًا من ميناب، ما يجعل المنطقة واحدة من أكثر المناطق تعرضًا لتداعيات العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة.
وتعطي هذه الجغرافيا بعدًا إضافيًا للحادث، إذ تتكرر الخسائر المدنية في منطقة تشهد عمليات تستهدف بالأساس قدرات عسكرية إيرانية مرتبطة بالصراع حول مضيق هرمز.
المعركة ليست فقط على الأرض.. بل على الأدلة أيضًا
أصبح حطام الذخائر في الحروب الحديثة عنصرًا أساسيًا في التحقيقات المفتوحة المصدر.
فالصور التي يلتقطها السكان بعد الهجوم يمكن مقارنتها بكتالوجات الأسلحة، وقواعد بيانات الذخائر، وصور الأسلحة المنشورة سابقًا، ثم تحليل العلامات والأرقام التسلسلية وأشكال المكونات.
وفي حالة كوهنستك، أدى ظهور البطارية الحرارية ومكونات إلكترونيات الطيران وزعنفة التحكم إلى توفير أدلة مادية يمكن للخبراء مقارنتها بمكونات الذخائر الأمريكية.
ولهذا فإن الإعلان الإيراني عن نتائج الفحص، إلى جانب التحقيقات المستقلة، قد يساهم في تضييق نطاق الاحتمالات المتعلقة بنوع السلاح المستخدم.
لكن تحديد السلاح شيء، وإثبات ظروف استخدامه ومسؤولية الجهة التي أطلقته شيء آخر.
ويمثل إعلان السلطة القضائية في محافظة هرمزغان عن تحديد المواصفات الفنية للذخائر المستخدمة في هجوم كوهنستك تطورًا مهمًا في التحقيق بشأن الضربة التي أصابت حفل زفاف وأوقعت قتلى وجرحى بين المدنيين.
وتكتسب الرواية الإيرانية أهمية إضافية بعدما أشارت تحقيقات مستقلة إلى أن بقايا الذخائر التي ظهرت في موقع الهجوم تتوافق مع أسلحة أمريكية موجهة بدقة.
لكن المعطى الأكثر دقة في الوقت الحالي هو أن مصدر الذخيرة يبدو مدعومًا بأدلة فنية، بينما لا يزال تحديد الطراز النهائي للذخيرة والهدف العسكري المقصود ومسؤولية الجهة المنفذة عن الخسائر المدنية بحاجة إلى مزيد من التحقيق.
وبالتالي، فإن القضية تنتقل تدريجيًا من مستوى الاتهامات السياسية المتبادلة إلى مستوى أكثر تعقيدًا: تحليل الأدلة المادية وإعادة بناء الضربة وتحديد ما إذا كان الهجوم قد احترم قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات المفروضة بموجب القانون الدولي الإنساني.
وهنا تكمن أهمية حطام القنبلة؛ فقد يتحول جزء صغير من المعدن والإلكترونيات التي خلفها الانفجار إلى الدليل الأكثر أهمية في تحديد ما حدث بالفعل في كوهنستك.












