الشرق الأوسط

السودان بين نار الحرب وغضب السيول.. كارثة إنسانية تضاعف معاناة النازحين

لم تعد السيول والأمطار الموسمية في السودان مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل أصبحت عاملًا إضافيًا يفاقم أزمة إنسانية هي بالفعل من الأكثر تعقيدًا في العالم. ففي الوقت الذي يواصل فيه القتال دفع مئات الآلاف إلى الفرار من مناطقهم، بدأت مياه الأمطار والسيول تضرب تجمعات تضم سكانًا ونازحين يعيشون أصلًا في ظروف شديدة الهشاشة.

وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد أعلنت، الأحد، أن السيول المفاجئة أدت إلى نزوح 63 أسرة وتضرر أو تدمير 130 منزلًا في ولايتي جنوب كردفان وشمال دارفور. وفي قرية العطافة بولاية جنوب كردفان، نزحت 49 أسرة بعد تدمير 49 منزلًا بالكامل وتضرر 38 منزلًا آخر جزئيًا، بينما لجأت الأسر المتضررة إلى ملاجئ مؤقتة في مناطق مفتوحة. كما نزحت 14 أسرة في محلية كبكابية بشمال دارفور.

لكن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تعكس وحدها حجم الخطر. فهذه السيول تضرب مناطق تعاني منذ سنوات من النزوح والفقر وانهيار الخدمات، بينما تشهد البلاد في الوقت نفسه موجة جديدة من النزوح بسبب القتال.

كارثة فوق كارثة

تأتي موجة السيول الحالية بعد أيام فقط من تحذير المنظمة الدولية للهجرة من نزوح أكثر من 200 ألف شخص في إقليم كردفان منذ أواخر العام الماضي بسبب تصاعد القتال والهجمات على البنية التحتية الحيوية.

وقالت المنظمة إن الأسر في مناطق كردفان تواجه في الوقت نفسه فقدان الوصول إلى المياه والكهرباء والرعاية الصحية، قبل أن تضيف الأمطار والفيضانات عبئًا جديدًا على المجتمعات المتضررة.

وهنا تكمن خصوصية الكارثة السودانية: النازح الذي يفر من الحرب قد يجد نفسه مضطرًا إلى النزوح مرة أخرى بسبب السيول.

فالعائلة التي فقدت منزلها نتيجة القتال قد تقيم في مأوى مؤقت أو تستضيفها أسرة أخرى، ثم تأتي الأمطار لتدمر ذلك المأوى أو تجعل المنطقة غير صالحة للسكن. وبذلك يتحول النزوح من حدث واحد إلى سلسلة متكررة من عمليات الفرار.

دارفور.. موسم الأمطار يهدد النازحين

تظهر الصورة بوضوح في دارفور، حيث بدأت الأمطار الموسمية في التأثير على مجتمعات تعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من الهشاشة.

وقالت اليونيسف في 11 أغسطس/آب إن موسم الأمطار يؤثر على أسر ضعيفة في أنحاء دارفور، مشيرة إلى أن المياه غمرت أو دمرت منازل ومدارس ومرافق للمياه في عدد من المجتمعات. وأكدت المنظمة أنها تعمل على الاستجابة السريعة للحد من مخاطر الأمراض وحماية الأسر المتضررة.

وقبل أحدث موجة للسيول، كانت المنظمة الدولية للهجرة قد أعلنت تضرر عشرات الأسر في شمال دارفور، بعدما دمرت الأمطار الغزيرة والسيول 108 منازل في بلدتي كبكابية وشنقل طوباي، مع اضطرار عشرات الأسر إلى البحث عن ملاجئ مؤقتة في مناطق مفتوحة.

وهذا يعني أن ما يجري ليس حادثًا منفردًا، بل نمطًا متكررًا يتسع مع استمرار موسم الأمطار.

لماذا تمثل السيول خطرًا أكبر هذا العام؟

في الظروف الطبيعية، يمكن التعامل مع الفيضانات عبر الإجلاء وتوفير الملاجئ والغذاء والمياه وإعادة تأهيل المنازل.

لكن السودان يدخل موسم الأمطار وهو يعاني من تدمير واسع للبنية التحتية، وقيود على الوصول الإنساني، ونقص حاد في التمويل.

ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن أكثر من 9 ملايين شخص نازحون داخليًا في السودان، ما يجعل البلاد أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم.

كما تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 33.7 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية في السودان خلال عام 2026.

ومن ثم فإن أي كارثة طبيعية جديدة لا تبدأ من الصفر؛ إنها تضرب مجتمعًا استُنزفت قدرته على الصمود أصلًا.

أزمة المأوى تتحول إلى أزمة حماية

من أخطر تداعيات السيول مسألة المأوى.

فقد حذّر قطاع المأوى والمواد غير الغذائية في السودان في مايو/أيار من وجود فجوة تمويلية كبيرة؛ إذ لم يتوفر سوى نحو 35.3 مليون دولار من أصل 179.4 مليون دولار مطلوبة لاحتياجات عام 2026.

وهذا النقص يجعل توفير الخيام والمواد اللازمة لبناء الملاجئ أو إصلاح المنازل المتضررة أكثر صعوبة.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا عندما يعيش النازحون في مناطق مفتوحة، كما حدث مع الأسر المتضررة في جنوب كردفان وشمال دارفور.

فالمأوى المفتوح لا يحمي من الأمطار فحسب، بل يرفع أيضًا مخاطر الأمراض، ويزيد مخاطر الاستغلال والعنف، ويضع الأطفال والنساء خصوصًا أمام ظروف أمنية وصحية بالغة الصعوبة.

المياه الملوثة والأمراض.. الخطر الذي يأتي بعد الفيضان

لا تنتهي الأزمة عندما تتراجع المياه.

فالسيول يمكن أن تؤدي إلى تلوث مصادر المياه، وتدمير المراحيض ومرافق الصرف الصحي، ونقل المخلفات إلى مناطق السكن، وهو ما يزيد مخاطر تفشي الأمراض المنقولة بالمياه.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السودان، حيث يعاني القطاع الصحي أصلًا من آثار الحرب ونقص الإمدادات.

ولهذا ركزت اليونيسف في استجابتها للفيضانات في دارفور على حماية الأسر والحد من انتشار الأمراض، في إشارة إلى أن الخطر الصحي يمثل جزءًا أساسيًا من تداعيات الكارثة وليس نتيجة ثانوية لها.

الجوع يجعل التعافي أكثر صعوبة

السيول لا تضرب المنازل فقط، وإنما يمكن أن تضرب مصادر الدخل والإنتاج الزراعي وطرق نقل الغذاء.

وتأتي هذه التداعيات في بلد يواجه أصلًا أزمة غذائية هائلة.

وبحسب برنامج الأغذية العالمي، يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه بعض السكان ظروفًا كارثية، مع وجود مناطق معرضة لخطر المجاعة. كما تتوقع المنظمة إصابة نحو 825 ألف طفل دون الخامسة بسوء التغذية الحاد الشديد خلال 2026.

وبالتالي فإن فقدان منزل أو محصول أو مصدر دخل نتيجة الفيضان قد يدفع الأسرة إلى مرحلة جديدة من الاعتماد الكامل على المساعدات.

الحرب تعرقل الاستجابة للسيول

المشكلة الأكبر أن الجهات الإنسانية لا تعمل في بيئة مستقرة.

فالقتال المستمر يجعل الوصول إلى بعض المناطق صعبًا أو مستحيلًا، كما أن الطرق والبنية التحتية التي تحتاج إليها عمليات الإغاثة قد تكون متضررة أو خاضعة لسيطرة أطراف مختلفة.

وفي كردفان، على سبيل المثال، نزح نحو 204 آلاف شخص، بينهم قرابة 39 ألف طفل، إلى مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، وفق بيانات حديثة أوردتها ACAPS، بينما يعيش نحو 90% من هؤلاء النازحين لدى أسر مضيفة بدلًا من المخيمات.

وهذا يضيف ضغطًا كبيرًا على المجتمعات المحلية نفسها؛ فالأسر المضيفة تحتاج إلى الغذاء والمياه والخدمات، لكنها تستقبل أعدادًا جديدة من النازحين في وقت تتعرض فيه مواردها للضغط.

أزمة تمويل تهدد الاستجابة

حتى قبل السيول الأخيرة، كانت المنظمات الإنسانية تواجه صعوبة في تمويل العمليات.

ويشير تحليل حديث لمجلس العلاقات الخارجية إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في السودان لعام 2026، التي تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار، لم تكن ممولة إلا بنحو 17% وقت إعداد التحليل.

وهذا يفسر لماذا يمكن لحدث يبدو محدودًا على الخريطة، مثل تدمير عشرات المنازل، أن يتحول بسرعة إلى أزمة كبيرة على الأرض.

فالاستجابة لا تتطلب فقط تقديم مواد إغاثة، وإنما نقلها إلى المناطق المتضررة، وتوفير المياه النظيفة، والرعاية الصحية، والمأوى، وحماية الأطفال، وإصلاح مصادر المياه، ثم مساعدة الأسر على استعادة قدرتها على الاعتماد على نفسها.

السودان أمام «أزمة مركبة»

ما يحدث في السودان يمكن وصفه بأنه أزمة مركبة تجمع بين الحرب والنزوح والكوارث المناخية وانعدام الأمن الغذائي ونقص التمويل.

ولهذا فإن السيول الأخيرة في جنوب كردفان وشمال دارفور لا ينبغي قراءتها باعتبارها خبرًا منفصلًا عن الحرب.

فالحرب خلقت ملايين النازحين، والنزوح دفع السكان إلى مناطق أكثر هشاشة، وتدمير البنية التحتية أضعف قدرتهم على مواجهة الأمطار، ثم جاءت السيول لتدفع مزيدًا من الأسر إلى النزوح.

وتحذر المعطيات الإنسانية من أن هذه الحلقة يمكن أن تستمر طوال موسم الأمطار، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف الخدمات.

وتكشف السيول الأخيرة عن وجه آخر للأزمة السودانية: الحرب لم تعد وحدها ما يدفع السودانيين إلى الفرار من منازلهم.

ففي العطافة بجنوب كردفان، فقدت عشرات الأسر منازلها خلال ساعات، وفي كبكابية بشمال دارفور تكرر المشهد، بينما تشير اليونيسف إلى أن الأمطار باتت تهدد المنازل والمدارس ومرافق المياه في أنحاء دارفور.

لكن الخطر الحقيقي يتجاوز أرقام المنازل المتضررة. السودان يدخل موسم الأمطار مع ملايين النازحين، واحتياجات غذائية هائلة، وبنية تحتية منهكة، وفجوات تمويلية كبيرة.

وبذلك تتحول السيول إلى مضاعِف للأزمة الإنسانية: فهي لا تصنع أزمة جديدة بالكامل، لكنها تضخم كل أزمة قائمة بالفعل، من النزوح إلى الجوع والمرض ونقص المأوى.

وفي بلد يعيش واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحًا خلال الأشهر المقبلة ليس فقط: كم منزلًا ستدمره السيول؟ وإنما: كم أسرة ستجد مكانًا آمنًا تعيش فيه بعد أن تتراجع المياه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى