أخبار العالم

إقالات في «ستارز أند سترايبس» بعد تقرير «لينكولن».. صدام جديد بين البنتاغون والصحافة العسكرية الأمريكية

دخلت العلاقة بين وزارة الدفاع الأمريكية ووسائل الإعلام العسكرية مرحلة أكثر حساسية، بعدما أقال البنتاغون ناشر ورئيس تحرير ومراسلة صحيفة «ستارز أند سترايبس»، عقب أيام من نشر الصحيفة تقارير عن الظروف الصعبة التي عاشها أفراد طاقم حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال انتشارها الطويل في الشرق الأوسط.

وأعلن رئيس التحرير إريك سلافين أن الإقالة جاءت بتهمة «العصيان»، وقال لوكالة أسوشييتد برس إنه عوقب بسبب تصريحات أدلى بها في مقابلة مع شبكة CBS دافع فيها عن استقلال الصحيفة ورفض أي رقابة على الأخبار الموجهة إلى أفراد القوات المسلحة. كما تلقى الناشر ماكس ليدرر والمراسلة لارا كورته إشعارات إنهاء خدمة، مع منحهم خمسة أيام للاعتراض.

لكن أهمية القضية لا تكمن في إقالة ثلاثة صحفيين فقط، وإنما في السؤال الذي تطرحه: هل تستطيع صحيفة تمولها وزارة الدفاع جزئيًا أن تحافظ على استقلالها عندما تتعارض تغطيتها مع مصالح المؤسسة العسكرية؟

تقرير «لينكولن» الذي سبق الإقالات

نشرت «ستارز أند سترايبس» في أغسطس تقريرًا عن ظروف طاقم «أبراهام لينكولن»، التي كانت قد أمضت فترة طويلة في البحر خلال الحرب مع إيران.

ونقلت الصحيفة عن أفراد من الطاقم وأفراد عائلاتهم شكاوى بشأن نقص الغذاء والمياه، وتعطل البريد، وطول ساعات العمل، وقلة فترات الراحة، وغياب زيارات الموانئ المنتظمة التي تحصل عليها حاملات الطائرات عادة لإعادة الإمداد وإراحة الطاقم. ووفق الصحيفة، يضم الطاقم نحو 5 آلاف عسكري.

كما تحدثت عائلات أفراد من الطاقم عن حالات إنهاك شديدة ومحاولات انتحار مزعومة على متن الحاملة، بينما كانت «لينكولن» في طريقها أخيرًا إلى سان دييغو بعد انتشار طويل في منطقة الشرق الأوسط.

وتزامن تقرير «ستارز أند سترايبس» مع تغطية من نيويورك تايمز بشأن أوضاع الطاقم، ما جعل القضية تتحول من شكاوى داخلية إلى قصة إعلامية أوسع.

وهنا تحديدًا بدأ الصدام يأخذ بعدًا سياسيًا؛ إذ لم تعد القضية مجرد تقييم لأداء البحرية أو ظروف أفراد الطاقم، وإنما أصبحت اختبارًا لمدى استعداد المؤسسة العسكرية للسماح بنشر معلومات قد تؤثر على صورتها أثناء حرب جارية.

«ستارز أند سترايبس» ليست صحيفة حكومية تقليدية

المفارقة الأساسية في القضية أن «ستارز أند سترايبس» تقع في منطقة قانونية ومؤسسية شديدة الخصوصية.

فالصحيفة جزء من Defense Media Activity التابعة لوزارة الدفاع، وتحصل على نحو نصف ميزانيتها تقريبًا من التمويل الحكومي، وفق تعريف الصحيفة نفسها. لكن «ستارز أند سترايبس» تؤكد في الوقت ذاته أنها تتمتع باستقلال تحريري، وأن محتواها لا يمثل وجهة نظر وزارة الدفاع أو القوات المسلحة.

وتقول الصحيفة إن مهمتها هي توفير أخبار مستقلة للمجتمع العسكري، بما في ذلك العسكريون في الخدمة، والموظفون المدنيون بوزارة الدفاع، والمحاربون القدامى وعائلاتهم.

بل إن موقعها الرسمي يصفها بأنها «مستقلة تحريريًا عن التدخل من خارج سلسلتها التحريرية».

وهذه الاستقلالية ليست مجرد تقليد صحفي؛ فوزارة الدفاع نفسها أقرت في مسار تنظيمي حديث بأنها تريد إعادة تأكيد الاستقلال التحريري للصحيفة. ويشير سجل الحكومة الأمريكية إلى أن تحديث القواعد الخاصة بـ«Stars and Stripes Media Organization» كان يستهدف إعادة تأكيد استقلالها التحريري.

لذلك تصبح الإقالات الحالية أكثر حساسية: إذا كانت الاستقلالية مبدأً معترفًا به، فما حدود سلطة البنتاغون في معاقبة العاملين بالصحيفة؟

«العصيان».. وما وراء التبرير الرسمي

بحسب أسوشييتد برس، قال سلافين إن إشعار فصله ربط الإجراء بتصريحات أدلى بها في مقابلة مع CBS، أكد فيها أن فرض رقابة على الأخبار الموجهة إلى أفراد القوات المسلحة سيكون «خطًا أحمر». وقال إنه يتمسك بمبدأ استقلال «ستارز أند سترايبس».

أما لارا كورته، التي شاركت أيضًا في المقابلة، فأكدت أنها تعمل لدى الصحيفة وليس لدى البنتاغون أو أي إدارة سياسية.

وهنا يظهر السؤال الأهم: هل كانت الإقالات عقوبة على تصريحات علنية اعتُبرت عصيانًا إداريًا، أم أنها جاءت في سياق أوسع من الخلاف حول الخط التحريري للصحيفة؟

لا يوجد حتى الآن ما يثبت بصورة قاطعة أن تقرير «لينكولن» وحده كان سبب الإقالات. وهذه نقطة ينبغي الحفاظ عليها صحفيًا.

لكن التسلسل الزمني لافت: تقرير عن ظروف الحاملة، ثم تصريحات صحفية دفاعًا عن الاستقلال التحريري، ثم إشعارات إنهاء الخدمة.

ووفق CBS، كان البنتاغون قد بدأ بالفعل في دراسة إقالة ليدرر قبل الإعلان الرسمي، فيما كان الأخير قد أعلن عزمه التقاعد في 30 سبتمبر، بعد نحو 19 عامًا في منصب الناشر، مشيرًا إلى خلافات جوهرية مع توجهات إدارة ترامب والبنتاغون.

الخلاف أقدم من «لينكولن»

القضية الحالية ليست حادثة منفصلة.

فخلال عام 2026، دخلت «ستارز أند سترايبس» في خلافات متزايدة مع قيادة وزارة الدفاع حول مستقبل الصحيفة واتجاهها التحريري.

وكان المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل قد تحدث عن خطة لـ«تحديث» الصحيفة وإعادة تركيز محتواها، منتقدًا ما وصفه بـ«التشتيت الثقافي»، ومطالبًا بتحويل الاهتمام نحو الموضوعات العسكرية الأساسية.

كما أقالت الوزارة في يناير أمينة المظالم جاكلين سميث بعد انتقادها قيودًا فرضها البنتاغون على الصحافة، قبل أن ترفع لاحقًا دعوى تتهم فيها الوزارة بالانتقام منها.

وهكذا فإن تقرير «لينكولن» جاء في بيئة كانت فيها العلاقة بين الصحيفة ووزارة الدفاع متوترة أصلًا.

البنتاغون والصحافة.. معركة أوسع

تتزامن القضية أيضًا مع توتر أوسع بين إدارة ترامب ووسائل الإعلام التي تغطي وزارة الدفاع.

فخلال الأشهر الماضية، فرض البنتاغون قيودًا جديدة على وصول الصحفيين إلى الوزارة، وطالبهم باتباع قواعد تتعلق بالمصادر والمعلومات غير المعلنة، ما دفع عددًا من الصحفيين إلى تسليم بطاقات دخولهم بدلًا من قبول القيود.

ومن منظور الإدارة، يمكن قراءة هذه الإجراءات باعتبارها محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والإعلام، والتأكد من حماية المعلومات الحساسة ومنع التسريبات.

لكن من منظور المؤسسات الصحفية، تكمن المشكلة في أن السلطة التنفيذية لا ينبغي أن تتحول من جهة مسؤولة عن حماية الأسرار العسكرية إلى جهة تحدد ما يجب أن يراه الجمهور وما يجب ألا يراه.

وهذه المسألة تصبح أكثر حساسية أثناء الحرب، عندما تكون المعلومات المتعلقة بأوضاع الجنود والخسائر والجاهزية والعمليات ذات أهمية مباشرة للرأي العام.

لماذا يمثل «لينكولن» اختبارًا حقيقيًا؟

تكتسب قصة الحاملة أهمية خاصة لأن «أبراهام لينكولن» لم تكن في مهمة تدريب عادية.

فالانتشار الطويل جاء في ظل الحرب مع إيران، ورافقته عمليات عسكرية وضغوط متواصلة على الطاقم.

وكانت «جورج واشنطن» في طريقها إلى الشرق الأوسط لتحل محل «لينكولن» ضمن انتشار مقرر مسبقًا، في وقت كانت عائلات أفراد طاقم الحاملة تضغط من أجل عودتها إلى سان دييغو.

وهنا يصبح نشر تقارير عن ظروف الطاقم جزءًا من وظيفة الصحافة العسكرية نفسها.

فأفراد القوات المسلحة لا يحتاجون فقط إلى بيانات رسمية عن العمليات والانتصارات؛ بل يحتاجون أيضًا إلى جهة تنقل مشكلاتهم إلى الجمهور والقيادة، خصوصًا عندما يكونون بعيدين عن وطنهم وفي ظروف قتال أو انتشار طويل.

هل التمويل الحكومي يعني التبعية؟

هذه هي العقدة الأكثر تعقيدًا في القضية.

نحو نصف ميزانية «ستارز أند سترايبس» يأتي من التمويل الحكومي، بينما يأتي الجزء الآخر من الإعلانات والاشتراكات، وفق الصحيفة نفسها.

لكن التمويل لا يعني بالضرورة امتلاك الحق في التحكم التحريري.

بل إن النموذج الحالي للصحيفة قائم أساسًا على معادلة غريبة ولكن مقصودة: الحكومة تمول قدرة الصحيفة على الوصول إلى العسكريين، لكنها لا يفترض أن تحدد ما تنشره.

والقواعد التنظيمية نفسها تضع «ستارز أند سترايبس» ضمن نموذج صحافة عسكرية له خصوصية قانونية وتاريخية، فيما تؤكد السجلات الحكومية أن تحديث اللوائح كان يهدف إلى إعادة تأكيد استقلالها التحريري.

لذلك، فإن أي محاولة لتحويل الصحيفة إلى منصة علاقات عامة لوزارة الدفاع ستكون تغييرًا جوهريًا في طبيعتها، حتى لو بقي اسمها وشكلها كما هما.

الخطر الأكبر: فقدان ثقة العسكريين

قد لا يكون الخاسر المحتمل في هذه المواجهة هو الصحفيون فقط.

فالصحيفة تخاطب جمهورًا محددًا: العسكريين وعائلاتهم.

وإذا شعر أفراد القوات المسلحة بأن الصحيفة تنقل فقط الرواية الرسمية للبنتاغون، فإن قيمتها بالنسبة إليهم ستتراجع.

وفي المقابل، إذا بقيت الصحيفة قادرة على نشر تقارير تنتقد ظروف الخدمة وتكشف المشكلات، فإنها تؤدي وظيفة رقابية لا تختلف في جوهرها عن الوظيفة التي تؤديها الصحافة المدنية.

وتشير «ستارز أند سترايبس» إلى أن جمهورها يصل إلى نحو 1.4 مليون قارئ يوميًا عبر منصاتها المختلفة، ما يجعلها وسيلة مؤثرة داخل المجتمع العسكري الأمريكي.

ترامب والحرب.. لماذا يصبح الإعلام أكثر حساسية؟

تأتي الأزمة في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

فالإدارة الأمريكية تخوض حربًا مع إيران، وتحتاج إلى الحفاظ على صورة واضحة للقوة العسكرية والجاهزية والانضباط أمام الرأي العام.

وفي هذه الظروف، يمكن أن تصبح التقارير عن الإرهاق، والانتحار، ونقص الإمدادات، وطول الانتشار محرجة سياسيًا وعسكريًا، خصوصًا إذا جاءت من صحيفة موجهة مباشرة إلى أفراد القوات المسلحة.

لكن المفارقة أن هذه الظروف هي بالضبط التي تجعل الصحافة المستقلة أكثر أهمية.

ففي أوقات الحرب، لا تصبح الأسئلة المتعلقة بأوضاع الجنود أقل أهمية؛ بل تصبح أكثر أهمية.

إلى أين تتجه «ستارز أند سترايبس»؟

المؤشرات الحالية لا توحي بأن الأزمة ستنتهي بمجرد إقالة ثلاثة أشخاص.

فالناشر الجديد أو القائم بأعمال إدارة الصحيفة سيواجه سؤالًا جوهريًا: هل ستبقى «ستارز أند سترايبس» صحيفة مستقلة داخل منظومة وزارة الدفاع، أم ستتحول تدريجيًا إلى مؤسسة إعلامية أقرب إلى التواصل الرسمي؟

ومن اللافت أن البحرية عينت الكابتن ويليام أوربان نائبًا للناشر، فيما أكد أنه يدعم استقلال الصحيفة، مع حديثه عن توسيع الصحافة الرقمية.

لكن بقاء الاستقلال على الورق شيء، وقدرة الصحفيين على ممارسة هذا الاستقلال أمام الإدارة شيء آخر.

وفي النهاية، لا يمكن اختزال إقالة ليدرر وسلافين وكورته في خلاف إداري حول «العصيان».

فهي تأتي بعد فترة من التوتر بين البنتاغون و«ستارز أند سترايبس»، وبعد تقرير أثار أسئلة محرجة حول أوضاع طاقم «أبراهام لينكولن»، وفي الوقت الذي تسعى فيه وزارة الدفاع إلى إعادة تشكيل المؤسسة الإعلامية التابعة لها.

ولا توجد، حتى الآن، أدلة كافية للقول إن تقرير «لينكولن» كان وحده سبب الإقالات. لكن التزامن بين التقرير والخلاف العلني حول استقلال الصحيفة يجعل القضية اختبارًا واضحًا للعلاقة بين التمويل الحكومي والاستقلال التحريري.

والسؤال الأهم ليس فقط: لماذا أقال البنتاغون هؤلاء الصحفيين؟

بل: إذا كانت «ستارز أند سترايبس» صحيفة مخصصة للعسكريين، فمن يملك حق تحديد ما يجب أن يعرفه العسكريون عن أوضاعهم؟

إذا كانت الإجابة هي الصحفيين المستقلين، فإن القضية الحالية قد تصبح محطة جديدة في تاريخ طويل من الصحافة العسكرية الأمريكية.

أما إذا أصبحت الإجابة هي المؤسسة العسكرية نفسها، فقد لا تكون الإقالات مجرد تغيير في أسماء القيادات، بل بداية تحول في طبيعة واحدة من أقدم الصحف العسكرية وأكثرها استقلالًا في الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى