بعد كل زلزال كبير يعود اسمه .. هل يمتلك فرانك هوجربيتس ما يفتقده العلم؟

عاد اسم الباحث الهولندي فرانك هوجربيتس إلى صدارة النقاشات العالمية بعد تزامن تحذيرات نشرها بشأن نشاط زلزالي محتمل، مع وقوع زلازل قوية في عدة مناطق حول العالم، ما أعاد الجدل القديم حول مدى مصداقية توقعاته وإمكانية التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها.
وقبل أيام، نشر هوجربيتس عبر حساباته الرسمية تحذيراً أشار فيه إلى ما وصفه بـ”وضع فلكي حرج”، ناتج عن تموضع بعض الكواكب والأجرام السماوية في زوايا معينة، معتبراً أن هذه الاصطفافات قد تتزامن مع زيادة النشاط الزلزالي على الأرض.
وجاءت هذه التحذيرات بالتزامن مع تسجيل زلازل قوية في فنزويلا واليابان، الأمر الذي دفع متابعيه إلى اعتبار ما حدث دليلا جديدا على صحة منهجه، فيما يؤكد الخبراء على غياب أي أساس علمي مثبت لهذه الفرضيات.
شهرة بدأت مع زلزال تركيا وسوريا
اكتسب هوجربيتس شهرة عالمية بعد زلزال تركيا وسوريا المدمر في فبراير 2023، عندما تداول مستخدمون على نطاق واسع منشورا كان قد نشره قبل الكارثة بأيام، تحدث فيه عن احتمال وقوع نشاط زلزالي قوي في المنطقة.
ومنذ ذلك الحين، بات اسمه يرتبط في كل مرة تقع فيها زلازل كبيرة حول العالم، خصوصاً عندما تكون قد سبقتها تحذيرات أو توقعات نشرها عبر منصاته الإلكترونية أو عبر مؤسسة “مسح هندسة النظام الشمسي” (SSGEOS) التي يديرها.
رفض علمي واسع
ورغم الاهتمام الإعلامي والشعبي الذي تحظى به توقعاته، فإن المؤسسات العلمية المتخصصة ترفض منهجه بشكل واضح.
وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) أنه لا توجد حتى اليوم وسيلة علمية موثوقة تسمح بالتنبؤ الدقيق بموعد ومكان وقوة الزلازل قبل وقوعها. وتوضح الهيئة أن العلماء قادرون فقط على تقدير احتمالات حدوث زلازل في مناطق معينة خلال فترات زمنية طويلة استناداً إلى الدراسات الجيولوجية والتاريخ الزلزالي.
ونقلت إذاعة NPR الأمريكية عن خبيرة الزلازل سوزان هوف، المتخصصة في برنامج أخطار الزلازل لدى الهيئة، قولها إن مثل هذه التوقعات العامة لا ترقى إلى مستوى التنبؤ العلمي، مشيرة إلى أن كثرة التحذيرات الواسعة جغرافياً وزمنياً تجعل تحقق بعضها أمراً متوقعاً من الناحية الإحصائية.
وشبهت هوف هذه الظاهرة بـ”الساعة المعطلة التي تشير إلى الوقت الصحيح مرتين في اليوم”، في إشارة إلى أن إصابة بعض التوقعات لا تكفي لإثبات صحة المنهج.
فرضية خارج الإجماع العلمي
يعتمد هوجربيتس على فرضية تربط بين اصطفافات الكواكب والقمر والنشاط الزلزالي على الأرض، معتبراً أن التأثيرات الجاذبية الناتجة عن هذه الاصطفافات قد تسهم في تحفيز وقوع الزلازل.
إلا أن هذه الفكرة لا تحظى بأي قبول يذكر داخل المجتمع العلمي المتخصص في علوم الأرض، إذ يؤكد الباحثون أن الزلازل تنتج أساساً عن حركة الصفائح التكتونية وتراكم الضغوط على الصدوع الجيولوجية عبر فترات زمنية طويلة، وليس نتيجة اصطفاف الكواكب أو الأجرام السماوية.
كما أشارت تقارير تدقيق حقائق نشرتها مؤسسات مثل Snopes وNewswise إلى عدم وجود دراسات علمية محكمة تثبت وجود علاقة سببية بين اصطفافات الكواكب وحدوث الزلازل الكبرى.
لماذا يقتنع به كثيرون؟
سجل هوجربيتس إخفاقات موثقة بارزة: ففي عام 2015 تنبأ بزلزال مدمر بقوة تتراوح بين 8.8 و9.8 درجات على الساحل الغربي للولايات المتحدة في مايو من ذلك العام، ولم يحدث شيء.
وفي عام 2017 حذر من زلازل بقوة 8 درجات تضرب الولايات المتحدة وتشيلي وبيرو وإندونيسيا والفلبين بين فبراير ومارس، فوقعت بعض الهزات الخفيفة في بيرو وإندونيسيا وهما من أكثر مناطق العالم نشاطاً زلزالياً دون أي أضرار تُذكر.
وفي أكتوبر 2023 حذر من زلزال وشيك في باكستان فمرت المهلة دون أي حدث، ليتراجع هو نفسه عن تصريحاته قائلاً إنه “لا يمكن القول بيقين إن ذلك سيحدث”.
ويرى خبراء في علم النفس المعرفي أن شهرة هوجربيتس تعود جزئياً إلى ميل البشر لتذكر التوقعات التي تتحقق وتجاهل التوقعات التي لا تتحقق، وهي ظاهرة تُعرف باسم “الانحياز التأكيدي”.
كما أن الطبيعة المفاجئة والمدمرة للزلازل تجعل أي شخص يبدو وكأنه نجح في توقع إحداها يحظى باهتمام واسع، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي حيث تنتشر المعلومات بسرعة كبيرة.
بين التوقع والتنبؤ
يفرق علماء الزلازل بين “توقع المخاطر” و”التنبؤ المباشر”.
فالأول يعتمد على تقدير احتمالات وقوع زلازل في منطقة معينة خلال سنوات أو عقود، وهو أمر معتمد علمياً.
أما الثاني فيعني تحديد مكان وزمان وقوة زلزال معين قبل وقوعه بدقة، وهو أمر لم يتمكن أي عالم أو مؤسسة بحثية من تحقيقه بصورة موثوقة حتى الآن.
وبينما يرى مؤيدو هوجربيتس أن بعض نجاحاته المتكررة تستحق مزيداً من الدراسة، يتمسك المجتمع العلمي بموقفه القائل إن صحة أي نظرية لا تُقاس بحالات فردية ناجحة، بل بقدرتها على تقديم نتائج دقيقة ومتكررة وقابلة للتحقق وفق المعايير العلمية المعتمدة.
ويبقى الثابت حتى اليوم أن المؤسسات العلمية الكبرى لا تعترف بوجود وسيلة موثوقة للتنبؤ بالزلازل، وأن أفضل وسائل الحد من الخسائر تظل في تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية المقاومة للكوارث والاستعداد المسبق للطوارئ.












