الإمارات تحصد ثمار تأسيس وزارة الذكاء الاصطناعي قبل 9 سنوات

في سباق عالمي لا يهدأ، لم تعد المنافسة بين الدول تُقاس فقط بما تملكه من نفط أو سلاح أو ثروات طبيعية، بل بما تراكمه من خوارزميات، وبما تنتجه من بيانات، وبقدرتها على تحويل الذكاء الاصطناعي من تقنية واعدة إلى بنية حضارية جديدة.
دخل العالم عام 2026 على إيقاع ثورة رقمية غير مسبوقة، حيث تتحول الحكومات إلى “حكومات خوارزمية”، وتعاد صياغة الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن عبر أنظمة ذكية تتعلم وتتنبأ وتتخذ القرار.
وفي صدارة هذه الدول تأتي الإمارات العربية المتحدة، التي تسجل أعلى نسبة استخدام للذكاء الاصطناعي بين السكان عالمياً عند %70.1 ، في مؤشر يعكس حجم الاندماج العميق للتقنيات الذكية في الحياة اليومية والخدمات الحكومية والقطاع الخاص.
هذا التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة استراتيجية طويلة المدى جعلت من الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في التنمية الاقتصادية والتحول الرقمي.
وتأتي سنغافورة في المرتبة الثانية بنسبة %63.4 ، مستفيدة من بنيتها الرقمية المتقدمة واستثماراتها الضخمة في المدن الذكية، فيما تواصل دول أوروبية مثل النرويج وأيرلندا وفرنسا تعزيز حضورها عبر دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم والطاقة والخدمات العامة.
كما تظهر المملكة المتحدة وهولندا ضمن الاقتصادات الأكثر جاهزية للتحول الذكي، بينما تبرز قطر بوصفها واحدة من أسرع الدول الخليجية نمواً في تبني التطبيقات الذكية.
ومن المفارقات اللافتة أن الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر مركز لتطوير الذكاء الاصطناعي ولديها شركات تكنولوجيا عملاقة، تحتل المرتبة الحادية والعشرين عالمياً بنسبة استخدام تبلغ %31.3 فقط.
ويكشف هذا الرقم عن فجوة واضحة بين تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وبين استخدامها الفعلي في الحياة اليومية للمجتمع، وهو ما يشير إلى أن الريادة التقنية لا تعني بالضرورة الريادة في التبني المجتمعي.
وفي منطقة الخليج، تتسارع وتيرة المنافسة لبناء اقتصادات قائمة على الذكاء الاصطناعي حيث تسعى دول الخليج إلى ترسيخ مكانتها كمراكز عالمية للتقنيات المتقدمة.
وتقود الإمارات هذا التحول عبر استثمارات ضخمة في البنية الرقمية، وإطلاق مبادرات تعليمية وتشريعية متقدمة، إضافة إلى دمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصحة والطاقة والخدمات الحكومية.
كما تعمل السعودية وقطر على توسيع استثماراتهما في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والابتكار الرقمي، ضمن رؤية تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.
ولا تعكس هذه الأرقام مجرد انتشار لتطبيقات تقنية حديثة، بل تكشف عن تحول أعمق في مفهوم الدولة الحديثة؛ فالقوة لم تعد مرتبطة فقط بحجم الاقتصاد أو الموارد الطبيعية، بل بقدرة المجتمعات على التفاعل مع التكنولوجيا وتطويعها لصناعة مستقبل أكثر كفاءة وابتكاراً.
ومع تسارع الثورة الرقمية عالمياً، تمضي الإمارات بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج عربي يقود المنطقة إلى عصر الاقتصاد الذكي.
ولا ريب أن إقدام الإمارات على تعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي عالمياً عام 2017، هيأها لتبوء مقعدها في مقدمة الدول وكأنها قررت حينها ألا تلاحق المستقبل، بل أن تسهم في كتابته، سطراً بعد سطر، وخوارزمية بعد أخرى.












