العبقري المنسي.. المهندس الذي صمم أول بدلة فضاء في التاريخ وقابلته ناسا بالجحود|صور

لطالما ارتبط غزو الفضاء بأسماء أمريكية وروسية، ولكن التاريخ يخفي في طياته قصة رجل من غرناطة سبق عصره بعقود. إيميليو هيريرا ليناريس، الطيار والمهندس والمخترع، هو العقل المدبر الذي صمم أول بدلة فضاء في العالم، وهي القطعة التي لولاها لما استطاع الإنسان الصمود ثانية واحدة خارج الغلاف الجوي.
بدلة “السكافاندرا”: الابتكار الذي سبق عصر الناسا
حسب ما ذكر موقع Infobae الأرجنتيني، فإنه في عام 1935، وقبل وقت طويل من تأسيس وكالة ناسا أو بدء سباق الفضاء، قام هيريرا بتصميم بدلة أطلق عليها اسم “السكافاندرا” (Estratounáutica). لم تكن مجرد رداء، بل كانت مختبراً متنقلاً مصغراً قادراً على حماية الطيارين في المرتفعات الشاهقة.
تكونت البدلة من ثلاث طبقات: طبقة داخلية من الصوف، طبقة وسطى من المطاط المانع للتسرب، وطبقة خارجية من القماش المدعم بأسلاك فولاذية ومغطاة بطبقة من الفضة لمنع الإشعاع الشمسي. كانت البدلة تحتوي على خوذة مزودة بميكروفون، وجهاز تنفس، ونظام تبريد، ومفاصل مرنة تسمح بالحركة في بيئة عديمة الضغط.

المنفى والحرب: كيف ضاع حلم الصعود للستراتوسفير؟
كان هيريرا يخطط لرحلة في منطاد للوصول إلى طبقة الستراتوسفير (على ارتفاع 26 ألف متر) لاختبار بدلته، ولكن اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية في عام 1936 أوقف كل شيء. وبسبب ولائه للجمهورية، اضطر هيريرا للفرار إلى فرنسا، حيث عاش حياة المنفى والفقر النسبي، بعيداً عن مختبراته وطموحاته.
وعلى الرغم من كونه عالماً فذاً، إلا أن مواقفه السياسية جعلته شخصاً غير مرغوب فيه في إسبانيا “فرانكو”، مما حرم بلاده والعالم من تسريع وتيرة استكشاف الفضاء لسنوات طويلة.
عندما طرقت “ناسا” بابه ورفض الشيك الأبيض
من بين أكثر القصص إثارة في حياة هيريرا هي تلك التي تتعلق بوكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”. ففي أوائل الستينيات، مع بدء التحضير لمهمات “أبوليو”، اتصلت الوكالة بهيريرا لطلب المساعدة في تصميم بدلات رواد الفضاء، وعرضت عليه “شيكاً على بياض” مقابل خبراته.
إلا أن هيريرا، وبكل كبرياء، وضع شرطاً واحداً: أن يتم رفع العلم الإسباني جنباً إلى جنب مع العلم الأمريكي على سطح القمر. وعندما رفضت الولايات المتحدة هذا الشرط، رفض هيريرا العرض المالي الضخم، مفضلاً الموت فقيراً في منفاه بباريس عام 1967 على التنازل عن وطنيته.
الإرث الخالد: لماذا تدين له البشرية؟
على الرغم من وفاته قبل عامين من هبوط “أبوللو 11” على القمر، إلا أن رواد الفضاء الأمريكيين اعترفوا لاحقاً بأن بدلاتهم كانت تطويرًا مباشراً لتصميم هيريرا الأصلي. حتى أن “نيل أرمسترونج” نفسه قام لاحقاً بإهداء قطعة من صخور القمر لعائلة هيريرا، كنوع من التقدير المتأخر للرجل الذي جعل الرحلة ممكنة.
يظل إيميليو هيريرا رمزاً للعالم الذي لم يبع علمه للمال، والمبتكر الذي لم تنصفه السياسة، لكن النجوم تشهد بأن أولى خطوات الإنسان نحو الفضاء بدأت من عقله.












