الشرق الأوسطحدث اليوم

رغم مخاوف استخباراتية وإسرائيلية .. أمريكا تمضي قدما في صفقة بيع مقاتلات إف-35 للسعودية

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أمس الخميس موافقتها على بيع محتمل لـ48 طائرة مقاتلة من طراز (إف-35) إلى السعودية، في خطوة تمثل تحولا في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، وتأتي في وقت تنخرط فيه المملكة بشكل أعمق في نزاعات الشرق الأوسط. وتثير الصفقة تساؤلات حول التزام واشنطن الطويل الأمد بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لحليفتها إسرائيل، فضلا عن مخاوف استخباراتية داخلية بشأن احتمال وصول الصين إلى تقنيات الطائرة الحساسة.

وقدّرت وزارة الخارجية قيمة الصفقة بنحو 24.3 مليار دولار، على أن تشمل 48 طائرة و49 محركا من إنتاج شركة “برات آند ويتني”، إضافة إلى معدات اتصالات وقطع غيار ومواد دعم أخرى. ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز، تتضمن الحزمة أيضا محركا احتياطيا، فيما تُقدَّر تكلفة الطائرة الواحدة من طراز (إف-35 إيه) بنحو 82.5 مليون دولار بحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

مسار الموافقة في الكونجرس

أرسلت وزارة الخارجية الحزمة إلى لجنتين في الكونجرس في يونيو الماضي للحصول على موافقة أولية قبل الإعلان الرسمي عنها، ولم تحصل على موافقة كبار المشرعين الأربعة في اللجنتين إلا في منتصف هذا الأسبوع، بحسب مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم نيويورك تايمز. ويملك المشرعون الآن مهلة 30 يوما لمراجعة الصفقة، ويمكنهم في حال معارضتها تقديم قرار مشترك بالرفض، غير أن مثل هذا القرار يحتاج إلى دعم ثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ لتجاوز أي نقض رئاسي محتمل، وهو ما تصفه الصحيفة بأنه أمر بعيد الاحتمال في ظل عطلة الكونجرس.

مخاوف استخباراتية أمريكية بشأن الصين

كشفت نيويورك تايمز أن وكالات استخبارات أمريكية حذرت في تقارير داخلية من احتمال حصول الصين على تقنية المقاتلة أو سرقتها إذا تم إرسال الطائرات إلى السعودية. وأثار تقرير مفصل أعدته وكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة للبنتاغون قبل أشهر تساؤلات حول قدرة الجانبين الأمريكي والسعودي على تأمين المواقع التي تحوي تقنية الطائرة، إلى جانب مخاوف بشأن إمكانية وصول عسكريين صينيين إلى قواعد سعودية، واستخدام المملكة الواسع لتقنيات صينية في بنيتها التحتية للاتصالات والمنشآت الدفاعية. كما أشارت الصحيفة إلى أن الصين تبيع صواريخ باليستية للسعودية وتساعدها على تطوير القدرة على تصنيعها محليا.

ورغم هذه المخاوف، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صفقة إف-35 في نوفمبر الماضي، عشية زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لواشنطن.

طلب سعودي قديم وصفقة تطبيع متعثرة

كانت السعودية قد تقدمت بطلب مباشر إلى ترامب للحصول على هذه الطائرات في أوائل عام 2025، وأبدت اهتماما بالمقاتلة التي تنتجها شركة لوكهيد مارتن، في إطار سعيها منذ سنوات لتحديث سلاحها الجوي ومواجهة التهديدات الإقليمية، وخصوصا تلك القادمة من إيران. ويضم أسطول القوات الجوية السعودية حاليا مزيجا من الطائرات المقاتلة، من بينها طائرات (إف-15) من إنتاج شركة بوينج، وطائرات “تورنيدو” و”تايفون” الأوروبية الصنع.

وسبق أن بحثت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن تزويد السعودية بهذه الطائرات ضمن صفقة أوسع تشمل تطبيع العلاقات بين الرياض وإسرائيل، غير أن تلك الجهود الدبلوماسية تعثرت في نهاية المطاف.

ردود فعل متباينة في الكونجرس

رحبت السفارة السعودية في واشنطن بالصفقة المقترحة عبر منصة إكس، واصفة إياها بأنها “خطوة إضافية في التعاون الدفاعي” تعكس “قوة واستمرارية الشراكة الاستراتيجية” بين البلدين.

في المقابل، عارض النائب الديمقراطي عن ولاية إلينوي راجا كريشنامورثي، عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، الصفقة، محذرا من أنها “قد تضع أثمن الأصول التكنولوجية العسكرية الأمريكية في متناول الحزب الشيوعي الصيني”، بحسب ما نقلته كل من نيويورك تايمز وبي بي سي. وأشارت الصحيفتان إلى أن مشرعين ديمقراطيين آخرين ومسؤولين دفاعيين أمريكيين أبدوا مخاوف مماثلة من احتمال مشاركة الرياض التقنية الحساسة مع بكين في ظل الشراكة الأمنية القائمة بين البلدين.

وردت وزارة الخارجية بالقول إن جميع صفقات الأسلحة ونقلها تخضع لقوانين وسياسات تراعي “مجموعة واسعة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية، بما في ذلك الحفاظ على التفوق التكنولوجي العسكري الأمريكي”. وأضافت الوزارة أن الصفقة ستدعم “أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي” الأمريكية، وستعزز أمن “حليف رئيسي من خارج حلف الناتو يمثل قوة استقرار سياسي وتقدم اقتصادي في منطقة الخليج”، مؤكدة أن “بيع هذه المعدات وتقديم الدعم لها لن يغيّر التوازن العسكري في المنطقة”.

مخاوف إسرائيلية

منذ حرب 1973، تحرص واشنطن على ضمان احتفاظ إسرائيل بـ”التفوق العسكري النوعي” في المنطقة، وفق ما يفرضه القانون الأمريكي بموجب توجيه من الكونجرس، وهو ما يضمن عمليا حصول إسرائيل على أسلحة أكثر تطورا من تلك المتاحة للدول العربية. وأبدى بعض المسؤولين الإسرائيليين، بحسب نيويورك تايمز، قلقهم من أن تؤدي الصفقة إلى تآكل هذا التفوق النسبي مقارنة بالدول العربية المجاورة.

وتمتلك إسرائيل حاليا أسطولا من 50 طائرة إف-35، وهي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تشغّل هذا الطراز منذ نحو عقد من الزمن. وذكرت بي بي سي أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعلنت في مايو الماضي عزمها شراء سرب إضافي من هذه الطائرات، ما سيضاعف حجم أسطولها إلى 100 طائرة بحسب ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست. وإذا اكتملت عملية إنتاج وتسليم الطائرات السعودية، وهي عملية قد تستغرق سنوات، ستصبح السعودية ثاني دولة في الشرق الأوسط تمتلك مقاتلات إف-35 بعد إسرائيل.

سابقة الإمارات

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن إدارة بايدن كانت قد أوقفت في وقت سابق مسار صفقة مماثلة لبيع طائرات إف-35 إلى الإمارات كان ترامب قد أعلنها عام 2020 قرب نهاية ولايته الأولى، بعدما أبدت أجهزة الاستخبارات الأمريكية حينها مخاوف من العلاقات الوثيقة بين أبوظبي وبكين.

في إطار علاقة أوسع

جعل ترامب من مبيعات الأسلحة للسعودية أولوية منذ عودته إلى السلطة؛ ففي مايو من العام الماضي، وافقت واشنطن على حزمة أسلحة بقيمة تقارب 142 مليار دولار للمملكة خلال زيارة الرئيس الأمريكي إلى الرياض، وصفها البيت الأبيض حينها بأنها “أكبر اتفاقية تعاون دفاعي” تبرمها واشنطن على الإطلاق. وتسعى السعودية إلى تنفيذ خطط طموحة للتحديث الاقتصادي والعسكري في إطار “رؤية 2030” التي يقودها ولي العهد، فيما تواصل تنويع شراكاتها الدفاعية مع الحفاظ على علاقتها الأمنية الراسخة مع واشنطن الممتدة منذ عقود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى