ساعات فارقة في المفاوضات الأمريكية – الإيرانية: اتفاق يتشكل وخلافات تتعمق

تشهد المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران منعطفا دقيقا ومتسارع الوتيرة، في ظل تصريحات متضاربة تتبادلها العواصم المعنية، فيما تترقب الأسواق العالمية ومستهلكو الطاقة في كل أنحاء العالم كل جديد يصدر عن أخبار الهدنة المرتقبة، التي ترسم ملامح مرحلة بالغة الحساسية في الشرق الأوسط.
روبيو: “اتفاق جيد أو طريقة أخرى”
في تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للصحفيين لحظة مغادرته العاصمة الهندية نيودلهي، قال إن الولايات المتحدة إما أن تتوصل إلى اتفاق جيد مع إيران، وإما أن تتعامل معها “بطريقة أخرى”، مؤكداً أن واشنطن ستمنح الدبلوماسية كل فرصة ممكنة قبل الالتفات إلى ما وصفه بـ”البدائل”.
وأضاف روبيو أن “ثمة أمرا قويا جدا مطروحا على الطاولة”، في إشارة إلى إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، واستئناف مفاوضات نووية جادة ومحددة زمنيا.
وأشار روبيو إلى أن الاتفاق يحظى بتأييد دول الخليج، مضيفا أن كل دولة استعرض معها الأمر “تُدرك أنه ليس فقط معقولا، بل هو الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به من أجل العالم”. وأبدى تفاؤلا بأن الاتفاق قد يُبرم خلال ساعات، قائلا: “اعتقدنا أنه قد يكون لدينا بعض الأنباء الليلة الماضية، ربما اليوم”.
غير أن روبيو أقر بأن الملف النووي يحتاج إلى وقت أطول بكثير، موضحاً لصحيفة “نيويورك تايمز” أن “المحادثات النووية مسائل فنية للغاية، ولا يمكن إنجاز مسألة نووية في 72 ساعة”، مشيرا إلى أن مهلة مدتها ستون يوما ستُخصص للتفاوض على ملف تخصيب اليورانيوم عقب إعادة فتح المضيق.
ترامب: “الوقت في صالحنا”
في المقابل، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد خفف، أمس الأحد، من حدة التوقعات، كاتبا على منصة “تروث سوشال” أنه أبلغ من يمثلونه في التفاوض بعدم التسرع في إبرام اتفاق، قائلا: “الوقت في صالحنا”. وتوعد بمواصلة الحصار البحري الأمريكي على إيران “بشكل كامل حتى التوصل إلى اتفاق والمصادقة عليه وتوقيعه”.
وفي سياق الرد على منتقديه، كتب ترامب: “إذا أبرمت اتفاقا مع إيران فسيكون اتفاقا جيدا ومناسبا، لذا لا تصغوا إلى الفشلة الذين ينتقدون شيئا لا يفقهون عنه شيئا”. وأشارت شبكة “فوكس نيوز” إلى أن الرئيس يميل إلى منح إيران بضعة أيام إضافية للتوصل إلى اتفاق.
تفاصيل الإطار المقترح
كشف مسؤول كبير في إدارة ترامب، طلب عدم الكشف عن هويته، أن إيران وافقت “من حيث المبدأ” على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض عليها، والتخلص من مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. وأفاد المسؤول بأن ما فهمته واشنطن هو أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أقر الإطار العام للاتفاق، مؤكدا أن التفاوض الفعلي على تفاصيل الإجراءات النووية سيستغرق وقتاً أطول، وأن مسألة التخلص من اليورانيوم المخصب “تتعلق بالكيفية لا المبدأ”.
وتتحدث مصادر إيرانية عن إمكانية اعتماد “صيغ عملية” في مراحل لاحقة، كتخفيف درجة نقاء اليورانيوم تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما نقلت شبكة “سي بي إس نيوز” أن المقترح يشمل الإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة في مصارف أجنبية، فضلاً عن رفع مؤقت للعقوبات على النفط والغاز والمنتجات النفطية خلال فترة التفاوض.
وأشار مسؤول أمريكي رفيع إلى أن الإطار المقترح يتضمن مهلة ستين يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي، وأن المرحلة الأولى ستشهد إعادة فتح المضيق ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.
طهران: تقدم حذر وشكاوى من “المواقف المتناقضة”
على الجانب الإيراني، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن الملف النووي والإفراج عن الأصول الإيرانية أُدرجا ضمن مذكرة تفاهم تتكون من أربعة عشر بندا، مشيرا إلى أن مفاوضات الأسبوع الجاري أسهمت في تقليص الخلافات بصورة ملموسة، بيد أن “فترتي الثلاثين والستين يوما لم تبدآ بعد، إذ لم تُبرم المذكرة بصورة نهائية حتى الآن”.
وأضاف بقائي أن “الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت تقاربا أكبر نحو التوصل إلى اتفاق”، غير أنه حذر من أن “المواقف المتناقضة للجانب الأمريكي” تجعل من الصعب التثبت من ديمومة هذا الاتجاه، متهما واشنطن بممارسة “قرصنة بحرية” واعتداء على السفن الإيرانية في المياه الحرة.
وأوضح بقائي أن باكستان تضطلع بدور الوسيط الرئيسي في المفاوضات، فيما تشارك قطر في تسهيل بعض البنود، مشيرا إلى أن وفدا قطريا يتواجد في طهران هذه الأيام لهذا الغرض. وكان رئيس الوزراء الباكستاني قد أعرب عن أمله في استضافة جولة تفاوضية جديدة “قريبا جدا”، بعد أن انتهت الجولة السابقة في إسلام آباد في الحادي عشر من أبريل دون التوصل إلى اتفاق.
في المقابل، أكد دبلوماسي إيراني كبير لوكالة أنباء الطلبة الإيرانية أن طهران مستعدة لمناقشة برنامجها النووي واليورانيوم عالي التخصيب مع الولايات المتحدة، لكن ذلك مشروط بأن تفي واشنطن بالتزاماتها في مذكرة التفاهم، لا سيما رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية في الخارج.
أسعار النفط تهوي .. والأزمة لم تنتهِ
أسهمت الآمال المتصاعدة بإمكانية التوصل إلى اتفاق في دفع أسعار النفط إلى التراجع بأكثر من ستة بالمئة، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين، إذ انخفض سعرا خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط بأكثر من خمسة بالمئة في التعاملات الآسيوية. وتجدر الإشارة إلى أن مضيق هرمز كان يمر عبره خُمس الشحنات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال قبل اندلاع الحرب.
بيد أن المحللين يحذرون من أن التوصل إلى اتفاق، حتى لو عزز وقف إطلاق النار الهش، لن يُهدئ على الفور أزمة الطاقة العالمية التي أفضت إلى ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والغذاء في أنحاء واسعة من العالم.
الجبهة اللبنانية
وفي الأثناء، تشتعل جبهة لبنان من جديد؛ إذ أعلن الجيش الإسرائيلي صباح الاثنين إصدار أوامر بإخلاء عشر بلدات وقرى لبنانية تمهيداً لتنفيذ عمليات ضد أهداف قال إنها تابعة لحزب الله، وذلك رغم الهدنة السارية منذ السابع عشر من أبريل. وأعلن الجيش مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان، فيما أسفرت غارات إسرائيلية خلال اليومين الماضيين عن سقوط ثلاثة عشر قتيلا لبنانيا.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد صرح بأنه اتفق مع ترامب على أن أي اتفاق نهائي مع إيران يجب أن “يُلغي تماما التهديد النووي”، فيما أكد ترامب له حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وهو ما دعمه روبيو بقوله: “لإسرائيل دائما الحق في الدفاع عن نفسها، وكل دولة في العالم تملك هذا الحق”.
من جهته، قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إنه يأمل أن يشمل الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران لبنان أيضاً، غير أنه جدد رفضه لأي مفاوضات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، مؤكدا أن نزع سلاح حزب الله سيكون “مشروعا إسرائيليا”.












