رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى طهران.. زيارة قضائية في توقيت إقليمي حساس

من المقرر أن يتوجه رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، فائق زيدان، إلى العاصمة الإيرانية طهران الثلاثاء، وفق ما أوردته قناة «العهد» العراقية، في زيارة تأتي بعد أيام فقط من زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، ولقائه زيدان ومسؤولين عراقيين كبارًا.
وتكتسب الزيارة أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، خصوصًا أن التعاون القضائي والقانوني بين بغداد وطهران كان حاضرًا بقوة في أجندة لقاء زيدان وقاليباف، الذي عُقد في بغداد في 20 أغسطس/آب الجاري.
وبحسب ما نقلته مصادر إيرانية وعراقية، بحث الجانبان خلال ذلك اللقاء تعزيز التعاون القضائي والقانوني ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين.
زيارة زيدان تأتي بعد تحرك إيراني مكثف في بغداد
وتأتي زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى طهران بعد تحرك سياسي ودبلوماسي إيراني لافت في بغداد.
فقد زار قاليباف العراق على رأس وفد برلماني إيراني، والتقى خلال الزيارة الرئاسات العراقية ومسؤولين سياسيين وأمنيين، إلى جانب رئيس مجلس القضاء الأعلى.
وتشير التغطية العراقية إلى أن مباحثات قاليباف لم تقتصر على التعاون البرلماني، بل تناولت أيضًا التطورات الإقليمية، وأمن المنطقة، والعلاقات العراقية الإيرانية، والملفات الاقتصادية والأمنية.
وفي لقائه مع زيدان تحديدًا، ركز الجانبان على الملفات القضائية والقانونية، وهو ما يضع زيارة زيدان المقبلة إلى طهران في إطار مسار متصل وليس تحركًا منفصلًا.
التعاون القضائي على جدول الأعمال
يمتلك العراق وإيران شبكة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في المجالات القانونية والقضائية، فيما يمثل تنفيذ هذه الاتفاقيات أحد الملفات التي برزت في اللقاء الأخير بين زيدان وقاليباف.
وأفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بأن اللقاء تناول القضايا ذات الاهتمام المشترك، بينما ذكرت وكالة «مهر» أن البحث تركز على تعزيز التعاون القضائي والقانوني بين البلدين.
ومن المتوقع أن توفر زيارة زيدان إلى طهران فرصة لمتابعة هذه الملفات بصورة مباشرة مع المسؤولين الإيرانيين، خصوصًا في ظل العلاقات المتشابكة بين البلدين ووجود ملفات قضائية وقانونية مشتركة تحتاج إلى تنسيق مستمر.
البعد السياسي للزيارة
ورغم الطابع القضائي المعلن للزيارة، فإن توقيتها يمنحها بعدًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
فالعراق يواجه في المرحلة الحالية ضغوطًا متزايدة للحفاظ على توازن علاقاته مع إيران والولايات المتحدة، بالتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي.
كما تخوض بغداد نقاشًا داخليًا حساسًا حول حصر السلاح بيد الدولة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الفصائل المسلحة المرتبطة بالحشد الشعبي.
وكانت زيارة قاليباف الأخيرة قد تزامنت مع نقاشات عراقية بشأن ملف السلاح، إلى جانب أزمة مضيق هرمز والضغوط الأمريكية على إيران، بحسب صحيفة «المدى» العراقية.
وتشير تحليلات عراقية إلى أن زيارة قاليباف جاءت في سياق محاولة طهران فهم المواقف العراقية وإعادة ترتيب العلاقات مع بغداد في ظل هذه الملفات المتشابكة.
القضاء العراقي في قلب العلاقة مع إيران
يمثل فائق زيدان أحد أبرز الشخصيات في مؤسسات الدولة العراقية، ولذلك فإن اتصالاته مع المسؤولين الإيرانيين تحظى باهتمام سياسي يتجاوز الجانب القضائي.
وفي المقابل، أثارت شخصية زيدان خلال السنوات الماضية جدلًا في واشنطن، إذ سبق أن تحرك مشرعون أمريكيون لفرض إجراءات بحقه وبحق مجلس القضاء الأعلى العراقي، متهمين إياه بارتباطات مع النفوذ الإيراني. وقد رفضت بغداد هذه الاتهامات، واعتبرتها مساسًا باستقلال القضاء العراقي.
ومن ثم، فإن أي زيارة لزيدان إلى طهران في هذه المرحلة يمكن أن تحظى بمتابعة أمريكية وإقليمية، خصوصًا إذا تطرقت المحادثات إلى ملفات ذات صلة بالأمن أو التعاون بين مؤسسات الدولة.
طهران تريد الحفاظ على نفوذها في العراق
تأتي الزيارة أيضًا في ظل مساعٍ إيرانية واضحة للحفاظ على مستوى مرتفع من التواصل مع بغداد.
فإيران تنظر إلى العراق باعتباره دولة مجاورة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، ليس فقط بسبب الحدود المشتركة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وإنما أيضًا بسبب موقع العراق في المعادلة الأمنية الإقليمية.
وفي المقابل، تحاول الحكومة العراقية التأكيد على سياسة تقوم على حماية السيادة العراقية ومنع تحول البلاد إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية.
وكانت تصريحات عراقية خلال زيارة قاليباف قد شددت على ضرورة اعتماد الحوار والمسارات الدبلوماسية لحل أزمات المنطقة، مع التأكيد على سيادة الدول واستقلالها.
ملف السلاح يظل الأكثر حساسية
ويبرز ملف الفصائل المسلحة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات العراقية الإيرانية.
فالحكومة العراقية تواجه ضغوطًا لتنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، في حين ترتبط فصائل عراقية بعلاقات سياسية وعسكرية وثيقة مع إيران.
وتزامنت هذه التطورات مع تقارير عن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد في أغسطس، في إطار لقاءات مع قيادات سياسية وأمنية عراقية، وسط النقاش المتصاعد حول مستقبل سلاح الفصائل.
كما تناولت تحليلات إقليمية الضغوط التي تواجه بغداد بشأن هذا الملف، معتبرة أن الحكومة العراقية تحاول تحقيق توازن بين تعزيز سلطة الدولة والحفاظ على علاقاتها مع طهران.
ماذا يمكن أن تحمل زيارة زيدان؟
في ظل هذه المعطيات، يمكن النظر إلى زيارة زيدان باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة اتصالات عراقية إيرانية مكثفة.
فالجانب المعلن يتعلق بالتعاون القضائي والقانوني وتنفيذ الاتفاقيات، وهو ملف قائم بالفعل وجرى بحثه بصورة مباشرة بين زيدان وقاليباف قبل أيام.
لكن توقيت الزيارة، بعد التحرك الإيراني الرفيع المستوى في بغداد، يجعل من المحتمل أن تكون لها أهمية أوسع في إطار الحفاظ على قنوات التواصل بين المؤسسات العراقية والإيرانية.
ومع ذلك، من المهم الفصل بين المعلومات المؤكدة والتكهنات؛ فلا توجد حتى الآن معلومات موثوقة منشورة عن جدول أعمال تفصيلي لزيارة زيدان إلى طهران أو عن ملفات سياسية محددة سيبحثها هناك.
وبالتالي، فإن المؤكد حتى الآن هو أن الزيارة تأتي في سياق تعزيز التعاون القضائي والقانوني بين البلدين، بينما يبقى تأثيرها السياسي المحتمل مرتبطًا بما ستسفر عنه اللقاءات التي سيجريها المسؤول العراقي في طهران.












