غزة على مفترق طرق: الفصائل الفلسطينية ترفض مشروع القرار الأمريكي.. صراع على السيادة والاستقرار

محمد حسين
يأتي رفض الفصائل الفلسطينية لمشروع القرار الأمريكي على أعتاب جلسة لمجلس الأمن يُنتظر فيها التصويت على اقتراح بنشر قوة متعددة الجنسيات في قطاع غزة، في خطوة تؤكد الانقسام الكبير بين القوى الفلسطينية حول الدور الدولي فيما بعد مرحلة وقف إطلاق النار، وما إذا كان هذا المشروع خطوة نحو السلام أو إعادة احتلال مقنّعة.
المسودة الأمريكية، التي كشفتها عدة وسائل، تتضمن تفويضًا للقوة الدولية حتى نهاية 2027، مع إمكانية التمديد، وتشكيل “مجلس سلام” — هيئة انتقالية تُشرف على المرحلة الانتقالية في غزة.
القوة ليست حفظ سلام فقط، بل وصفتها بعض المصادر بأنها “قوة إنفاذ”، بإمكانها اتخاذ “كل التدابير اللازمة” لتحقيق مهمّتها الأمنية، بما في ذلك نزع سلاح الفصائل المسلحة، وهو بند يثير جدلاً كبيراً.
كما تنص المسودة على إنشاء شرطة فلسطينية جديدة تُدربها هذه القوة الدولية وتعمل معها إلى جانب بقية المهام الأمنية.
مواقف الفصائل الفلسطينية: رفض وتحفّظ
1- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
أعلنت الجبهة الشعبية رفضها القاطع للمشروع. في بيان رسمي، رأت أن أي قوة دولية يجب أن تقتصر مهمتها على حماية المدنيين وضمان سلامتهم، دون “تدخل في الشؤون الداخلية” أو فرض حل يقيّد حق الشعب الفلسطيني في المقاومة أو تقرير المصير.
كما حذّرت الشعبية من أن مثل هذا المقترح قد يكون “غطاء للاحتلال” أو بديلًا عن السلطة الفلسطينية الأصلية، مؤكدة أن الشرعية الفلسطينية يجب أن تكون بقيادة الشعب ومنظماته، وليس من خلال وصاية دولية.
2- الفصائل الأخرى والتحذير من الوصاية الدولية
الفصائل الأخرى لم تكتفِ بالرفض فقط، بل عبّرت عن مخاوفها من تحول القوة الدولية إلى وصاية مؤبدة. بعض المحللين مثل سليمان بشارات يعتقد أن وصف هذه القوة بالمؤقتة (سنتان مثلًا) لا يضمن أنها ستغادر بنهاية التفويض، خصوصًا إذا توافرت مصالح دولية متشابكة للحفاظ على وجودها.
هذا القلق ليس مجرّد فكرة نظرية: التجارب الدولية أظهرت أن الكثير من بعثات الاستقرار المؤقتة تم مدّها أو تم تحويلها إلى تواجد دائم حسب المصالح السياسية.
3- موقف السلطة الفلسطينية
السلطة الفلسطينية، من جهتها، تُبلغت دراسة الاقتراح الأمريكي، لكن بمتحفظات عدة. بحسب مصادر فلسطينية نقلتها صحيفة “الشرق الأوسط” وصحيفة أخرى، السلطة ترغب في تعديلات على نص القرار، خاصة بشأن طبيعة التفويض (لا ترغب في أن يكون قرارًا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يعطي صلاحيات واسعة جدًا).
هناك أيضًا تحفظات على مدة التفويض ودور السلطة في “مجلس السلام” المقترح، بحيث لا يتم تقويض مكانتها أو تحويلها إلى كيان شكلي دون نفوذ حقيقي.
بعض المصادر تقول إن السلطة مستعدة للموافقة إذا ضَمَن القرار مشاركة فلسطينية حقيقية، ولا يكون مجرد واجهة دولية تملي السياسة من الخارج.
الأبعاد الدولية والإقليمية: معضلات وصراعات مصالح
1- من داخل مجلس الأمن
مشروع القرار الأمريكي ليس موضع إجماع في مجلس الأمن. بعض الدول، مثل روسيا والصين، تُعارض على ما يبدو فكرة “مجلس السلام” المقترح بقيادة دولية. حسب تقارير، هاتان القوتان طالبتا بإلغاء أو تعديل بنود كثيرة في المسودة.
أما بعض الدول العربية، فترى أن صلاحيات القوة المقترحة واسعة جدًا، خصوصًا بند “جميع التدابير اللازمة” لتنفيذ مهامها، ويرون أن ذلك يشكل خطرًا على السيادة الفلسطينية إذا لم يُحدَّد بدقة.
الإمارات من جهتها رفضت الانضمام للقوة دون وجود إطار قانوني واضح لتحديد صلاحياتها ودورها. وهذا يعكس معضلة كبيرة: كيف يمكن الموازنة بين شرعية القوة الدولية من جهة، وبين تجنّب ما قد يُعتبر “احتلالًا” مقننًا من جهة أخرى.
2- سياق سياسي أوسع: خطة ترامب وفترة ما بعد الحرب
هذا المشروع لا ينفصل عن خطة ترامب التي أعلنها سابقًا، والتي تضم 20 بندًا، بينها إنشاء “مجلس سلام” يقوم بإدارة غزة مؤقتًا وإعادة بناء القطاع.
القوة الدولية المقترحة هي جزء من هذه الخطة، خاصّة في مرحلة ما بعد تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، حيث يُفترض أن تعمل هذه القوة مع الشرطة الفلسطينية الجديدة وتُمارس ضغوطًا على الفصائل لتسليم السلاح أو تفكيك البنية العسكرية.
الجانب الاقتصادي أيضًا مهم: مسودة القرار تدعو إلى صندوق ائتماني دولي لإعادة إعمار غزة، يدار من قبل المانحين، ما يعطي لهم نفوذًا كبيرًا في إعادة تشكيل البنية العمرانية والسياسية للقطاع.
هذه الخطة المعلنة – إن تحققت – يمكن أن تشكّل تحوّلاً كبيرًا في طبيعة الحكم في غزة، من قيادة محلية مقاومة (حماس وغيرها) إلى إدارة “انتقالية” دولية-فلسطينية تحت إشراف دولي.
تحليل الأبعاد الاستراتيجية: مخاطر وفرص
1- مخاطر على المقاومة الفلسطينية
واحدة من أبرز المخاطر التي تثيرها الفصائل هي نزع السلاح. في مشروع القرار، هناك بند ينص على نزع سلاح “مجموعات مسلحة غير حكومية” عند الضرورة.
هذا البند يُعدّ بالنسبة لهم تهديدًا لحق المقاومة والمشروع الوطني الفلسطيني: هل القوة المقترحة ستعمل كجسر نحو دولة فلسطينية، أم ستعمل كأداة لتعطيل قدرة الفصائل على المقاومة مستقبلاً؟
بعض المعارضين يرون أن القوة الإقليمية والدولية قد تستخدم هذا القرار لتقويض البُعد العسكري للفصائل، وبالتالي فرض موقف سياسي جديد يرضي بعض الدول الإقليمية والدولية.
كما يوجد خوف أن القوة الدولية تصبح “دائمة” وليس مؤقتة كما يُعلن، إذا ما استمر وجودها بعد 2027 وفقًا لمصالح الدول الكبرى، وذلك من خلال تمديد التفويض. وهذه مخاطر سبق أن تم التنبؤ بها من تقارير المحللين الفلسطينيين.
فضلاً عن ذلك، هناك مخاوف من تحول “مجلس السلام” إلى إدارة تابعة جزئيًا للدول المانحة، وليس بقيادة فلسطينية حقيقية، ما قد يضر بالسيادة الوطنية.
2- فرص من منظور دولي وإنساني
من جهة أخرى، هناك من يرى في هذا المشروع فرصة حقيقية لإعادة إعمار غزة بشكل منظم، تحت رقابة دولية، مع ضمان تسيير المساعدات بطريقة أكثر فعالية وأمانًا.
القوة الدولية قد تساهم في حماية المدنيين، تأمين معابر الإغاثة، وضمان وصول المساعدات، خاصة في ظل الأزمات الإنسانية الكبيرة التي يعيشها القطاع. بعض الفصائل تشترط أن تكون هذه القوة مكرّسة أساسًا لحماية المدنيين وليس لفرض تسوية سياسية قسرية.
إذا تم تصميم “مجلس السلام” بشكل يعكس مشاركة فلسطينية حقيقية، فبإمكانه أن يكون نقطة انطلاق نحو مرحلة انتقالية أكثر استقرارًا سياسيًا وأمنيًا، خصوصًا إذا تم التنسيق بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والفصائل بما يكفل وحدة القرار الفلسطيني. بعض المصادر فلسطينية ذكرت أن هناك نقاشات حول أن يكون أحد وزراء السلطة عضوا في هذا المجلس.
من الناحية الدولية، إذا نجحت الولايات المتحدة والدول المعنية في إقناع مجلس الأمن بتبني القرار، قد يُشكل ذلك نموذجًا جديدًا لبعثات استقرار متعددة الأطراف، تجمع ما بين البعد الأمني والدعم الإنساني والتنمية، بدلاً من مجرد تدخل عسكري أو حفظ سلام نمطي.
السياق الإقليمي والدولي: تحديات وأطراف متباينة
1- مصالح الدول الكبرى
الولايات المتحدة: تدفع بهذا المشروع كجزء من خطة ترامب، وتراه وسيلة لضمان استقرار ما بعد الحرب في غزة، وإظهار دور أمريكي محوري في إعادة الإعمار والسلام.
إسرائيل: المشاركة الأمريكية الإسرائيلية في صياغة القرار تعكس رغبة تل أبيب في تنظيم المرحلة التالية بطريقة توفر بعض الضمانات الأمنية (نزع السلاح، تنظيم الحدود)، دون تأسيس دولة قوية بدون ضوابط.
مصر: يهمّها الاستقرار على حدودها الجنوبية، وقد تكون شريكًا منطقيًا في هذه القوة (المسودة تتحدث عن تنسيق مع مصر). لكن مصر ستراقب ألا تتحول القوة إلى سلطة دولية تهمّش دورها الإقليمي أو الدول الفلسطينية.
الدول العربية الأخرى: هناك تباينات كبيرة. بعض الدول تدعم الفكرة بشرط أن تكون المهمة “مراقبة” وألا تنزع سلاح الفصائل بالقوة.
الدول العربية الأخرى: هناك تباينات كبيرة. بعض الدول تدعم الفكرة بشرط أن تكون المهمة “مراقبة” وألا تنزع سلاح الفصائل بالقوة. الإمارات، مثلاً، طالبت بإطار قانوني واضح قبل الانضمام.
روسيا والصين: تعارض بعض الجوانب من خطة “مجلس السلام” وترى أن الترتيبات المقترحة تمس السيادة الفلسطينية، ما يجعل مشروع القرار عرضة لتعقيدات في مجلس الأمن.
2- السياق المحلي الفلسطيني
موقف الفصائل الفلسطينية لا يمكن فصله عن توازن القوة الفلسطيني الداخلي: السلطة الفلسطينية، الفصائل (حماس، الجبهة الشعبية، وغيرهم)، والمنظمات المدنية تراقب بعناية كيف يمكن أن يُعاد تنظيم غزة بعد الحرب، ومن يملك النفوذ في المرحلة الانتقالية.
رفض بعض الفصائل لهذا المشروع ليس مجرد موقف شكلي، بل يعكس تحذيرًا من فرض خارجي قد يغيّر جذريًا طبيعة القضية الفلسطينية: من مقاومة تحت الاحتلال إلى إدارة “انتقالية” تفرض عليها شروط دولية قوية.
في الوقت نفسه، بعض الأطراف الفلسطينية تراها فرصة لإعادة بناء غزة وتجنيبها فوضى ما بعد الحروب، إذا تم ضمان مشاركة فلسطينية واضحة، وحقوق سياسية، ودور مؤسّسي للمنظمة الفلسطينية الشرعية.
3- سيناريوهات مستقبلية
السيناريو الأول: اعتماد القرار بدون تغييرات كبيرة
في هذا السيناريو، يمر الاقتراح في مجلس الأمن، وتُنشر القوة الدولية كما هو مخطط لها. تشارك بعض الدول، وتبدأ بإعادة الإعمار، وتشكيل الشرطة الفلسطينية الجديدة، ونزع السلاح من الفصائل تدريجيًا.
ومن الإيجابيات لهذا السيناريو، هو الاستقرار الأولي، والحماية المدنية، وتسريع الإغاثة، وإعادة بناء البنية التحتية. أما بالنسبة للمخاطر، فتتمثل في: اعتراض فصائل أساسية، وتحوّل القوة إلى وجود دائم، وتهميش المقاومة، وشرخ سياسي فلسطيني واضح.
السيناريو الثاني: رفض دولي واسع / فشلان في التصويت
بسبب معارضة بعض الدول الرئيسية (روسيا، الصين، وبعض الدول العربية)، قد لا يُمر القرار كما هو. أو قد يُعاد صياغته بشكل يحدّ من صلاحيات القوة أو يقلّص من مدة التفويض.
والإيجابيات لهذا السيناريو، هو: حماية أكبر للسيادة الفلسطينية، وضغط لطرح رؤية فلسطينية موحدة، والمخاطر، تتمحور حول: فراغ أمني في غزة، وإعادة تصعيد إذا لم يكن هناك بديل مقبول، واستمرار الوضع الإنساني المتدهور دون ضمانات دولية فعّالة.
السيناريو الثالث: اعتماد مع تعديلات كبيرة
قد تتم مفاوضات مكثفة قبل التصويت، ويُعدل النص ليشمل ضمانات فلسطينية أكبر: إشراك السلطة ومنظمة التحرير في مجلس السلام، تحديد صلاحيات القوة بدقة، ضمانات بإنهاء المهمة بعد انتهاء التفويض، إلخ.
وتتركز إيجابيات السيناريو الأخير، في: توازن بين مصالح الدول المساهمة والمشروع الفلسطيني، ومشاركة فلسطينية واضحة، وتقليل مخاطر الاستغلال الدولي، وتتضمن المخاطر: تعقيد التنفيذ، وصعوبة في التنسيق، ومخاطر تعطيل المهمة إذا فشلت التفاهمات.
قراءة أولى في معركة القرار
من الواضح أن هذا الموضوع ليس مجرد تكتّل دولي لإحلال “قوة حفظ سلام” في غزة، بل هو محاولة لهيكلة ما بعد الحرب في القطاع بطريقة استراتيجية، تضم إعادة إعمار، ونزع سلاح، وبناء شرطة محلية، وإدارة مؤقتة تحت إشراف دولي. الفصائل الفلسطينية تدرك جيدًا أن ما يتم التفاوض عليه ليس “مرحلة مؤقتة” فحسب، بل قد يكون تغييرًا جذريًا لطبيعة حكم غزة ومشروع المقاومة.
رفض الجبهة الشعبية وبعض الفصائل ليس رفضًا مظهريًا فقط، بل يعكس خشية من تحويل هذا المشروع إلى أداة لاستمرار النفوذ الدولي على غزة، وهو ما قد يضعف الشرعية الفلسطينية من جهة، ويحدّ من الفعل المقاوم من جهة أخرى.
من جهة أخرى، هناك من يرى في هذا المقترح فرصة لإعادة بناء غزة بشكل منظم، بوجود دولي يضمن تدفقًا للمساعدات وحماية المدنيين، إذا ما تحققت الضمانات المطلوبة.
المعركة القادمة ستكون على نص القرار في مجلس الأمن، وعلى ضمانات التمثيل الفلسطيني، وعلى مدى قدرة الفصائل والسلطة على التوافق على رؤية وطنية مشتركة لما بعد الحرب — رؤية لا تسمح بأن يصبح “السلام والاستقرار” غطاء لإلغاء الجذور، أو تكييف غزة في بوتقة تفرضها الدول الكبرى.
المصادر:
https://elaph.com/Web/News/2025/09/1578422.html?utm_source=chatgpt.com












