احتجاجات “جيل Z” تهزّ المكسيك: غضب شعبي يتصاعد بعد اغتيال عمدة مناهض للجريمة

تقرير – محمد حسين
شهدت المكسيك خلال الساعات الماضية واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات الشعبية خلال السنوات الأخيرة، بعدما خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع في مختلف الولايات تحت راية ما بات يُعرف بـ”احتجاجات جيل Z”، تنديدًا بتصاعد العنف والجريمة المنظمة والفساد، وذلك بعد اغتيال عمدة مدينة أوروابان، كارلوس مانزو، في الأول من نوفمبر الجاري. ورغم أن الاحتجاجات بدأت سلمية في معظم المدن، إلا أن المشهد سرعان ما تصاعد في العاصمة مكسيكو سيتي، حيث تحولت تظاهرات ساحة الزوكالو إلى مواجهات عنيفة بين مجموعات من الشباب الملثمين وقوات مكافحة الشغب.
تصاعد الغضب بعد مقتل العمدة مانزو
يشكل اغتيال عمدة أوروابان، كارلوس مانزو، شرارة هذا الحراك الشعبي. مانزو كان قد قاد حملة قوية ضد عصابات تهريب المخدرات في ولايته، ما جعله هدفًا للقتل العلني خلال مشاركته في فعالية “يوم الموتى”.
وشكّل مقتله صدمة عامة، خصوصًا أنّه اعتُبر رمزًا للمواجهة المباشرة مع الجريمة المنظمة.
وقالت روزا ماريا أفيلا (65 عامًا)، التي جاءت من ولاية ميشوكان للمشاركة في الاحتجاجات: “قُتل لأنه كان يرسل الضباط لمحاربة الخارجين عن القانون.. كان يمتلك الجرأة لمواجهتهم.”
احتجاجات واسعة تتحول إلى العنف في العاصمة
في مكسيكو سيتي، قام متظاهرون ملثمون بإسقاط الحواجز المعدنية المحيطة بالقصر الوطني، حيث تعيش الرئيسة كلوديا شينباوم.
ووفق رويترز وThe Guardian، انتقلت الشرطة للسيطرة على الوضع باستخدام الغاز المسيل للدموع، فيما رشق المتظاهرون القوات بالحجارة والألعاب النارية والعصي.
ووفقًا لوزير الأمن في العاصمة، بابلـو فاسكيز:
- إصابة 120 شخصًا
- 100 من المصابين من الشرطة
- 40 شرطيًا احتاجوا للعلاج في المستشفى
- 20 مدنيًا مصابًا
- 20 معتقلًا و20 آخرون أحيلوا لمخالفات إدارية
كما تم تسجيل اضطرابات في مدن أخرى مثل غوادالاخارا، حيث أُلقي القبض على 47 شخصًا.
جيل Z يقود.. لكن أطيافًا أوسع تنضم
ورغم أن الدعوة الأساسية خرجت من حركة “جيل Z المكسيك”، فإن الاحتجاجات لم تكن محصورة بالشباب وحدهم.
تقول Politico إن المسيرات شهدت حضورًا لافتًا لشرائح عمرية أوسع، من بينها مسؤولون سابقون وشخصيات سياسية معارضة، وكذلك مواطنون كبار في السن غاضبون من تدهور الأمن.
وقالت الطبيبة أريزبِث غارسيا (43 عامًا): “نحن بحاجة لتمويل صحي أفضل، والأطباء أيضًا يتعرضون لانعدام الأمن.. يمكن أن تُقتل ولا يحدث شيء.”
اللافت أن بعض مؤثري جيل Z على منصات التواصل أعلنوا تراجعهم عن دعم المسيرة في الأيام التي سبقت الاحتجاج، بينما نشر الرئيس السابق فيسنتي فوكس والملياردير ريكاردو ساليناس رسائل تأييد للمظاهرات.
هتافات ضد الحكومة: “كارلوس لم يمت.. الحكومة قتلته”
لم تكن الهتافات مجرد تعبير عن الغضب، بل جاءت كاتهامات صريحة وجريئة للحكومة الاتحادية ولحزب مورينا الحاكم. فقد ردد آلاف المحتجين شعارات تهزّ صدى المشهد السياسي في البلاد، من بينها: “اخرجوا يا مورينا. كارلوس لم يمت.. الحكومة قتلته”
واتسعت الهتافات لتشمل دعوات أوسع لإعادة الأمن ووقف موجة العنف التي تجتاح البلاد، فيما ركّز كثيرون على المطالبة بإنهاء الإفلات من العقاب.
وتعزّز الغضب الشعبي بعد مقتل رئيس بلدية أوروابان، كارلوس مانزو، الذي بات رمزًا للاحتجاجات بعد اغتياله خلال فعالية عامة، الأمر الذي صبّ الزيت على نار الغضب الشعبي تجاه الحكومة.
وسط هذه الهتافات، قال أندريس ماسا، أحد الشباب المشاركين في المسيرة، وهو يحمل علم الجمجمة – وهو علم القراصنة – الذي أصبح أيقونة عالمية لاحتجاجات جيل Z: “نحن بحاجة إلى مزيد من الأمن.. نحن جيل تعب من العيش في الخوف.”
كما هتف آخرون مطالبين رئيسة البلاد كلوديا شينباوم بالتدخل الحاسم، فيما اتهم بعضهم الحكومة بمحاولة “اختراق” الاحتجاجات عن طريق ترويج روايات مضادة على منصات التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى اتهامات شينباوم بأن جهات يمينية استخدمت “بوتات” لزيادة حجم الحشد.
وامتدت حالة الغضب إلى ولايات أخرى، خصوصًا ميتشوكان، حيث خرج مؤيدو مانزو مرتدين قبعات القش التقليدية التي أصبحت رمزًا لحركته السياسية، وهم يرددون: “الدولة تموت.. والناس تُترك وحدها في مواجهة المجرمين.”
بهذا المشهد، تحولت الاحتجاجات من مجرد تحرك شبابي إلى موجة اجتماعية واسعة تضم فئات عمرية متعددة، وكلها تتجمع تحت مطلب واحد: استعادة الأمن وكبح الفساد والإفلات من العقاب.
رد الحكومة: احتجاجات “مسيّسة” ومخترقة من اليمين
في المقابل، حاولت الحكومة المكسيكية تقديم تفسير مغاير لاندلاع موجة الاحتجاجات، إذ أكدت الرئيسة كلوديا شينباوم – التي ما تزال تحافظ على نسبة تأييد مرتفعة تتجاوز 70% – أن ما حدث ليس حراكًا شبابيًا خالصًا، بل “تحرك جرى استغلاله سياسيًا” من قِبل أحزاب اليمين.
وشددت شينباوم على أنها تدين أعمال العنف التي شهدتها العاصمة وغيرها من المدن، إلا أنها اتهمت خصومها بمحاولة “اختراق” الحركة الشبابية وتوجيهها لأغراض سياسية، مضيفة أن جزءًا من الدعوات إلى الاحتجاج: “تم الترويج له عبر بوتات إلكترونية تهدف لتضخيم الحشود وإثارة الفوضى.”
كما أشار مسؤولو الأمن في العاصمة إلى أن بعض الشعارات التي رُفعت ضد الحكومة “تحمل نبرة سياسية واضحة”، في محاولة لتعزيز رواية أن جهات يمينية تقف خلف التصعيد.
لكن هذه الاتهامات قوبلت برفض قاطع من قادة حركة “جيل Z المكسيك”، الذين أصدروا “بيانًا” على مواقع التواصل الاجتماعي أكدوا فيه أن حراكهم:
- غير تابع لأي حزب سياسي.
- يمثل مطالب جيل شاب سئم العنف والفساد.
- يحتج على الإفلات من العقاب لا على خلفيات حزبية.
وجاء في أحد المقاطع المتداولة على منصات التواصل قول أحد النشطاء: “نحن خرجنا لأن بلدنا ينزف… وليس لأن أحدًا أمرنا بالخروج.”
وبين رواية الحكومة وموقف قادة الحركة، اتسعت الفجوة في الرواية السياسية، ما يعكس حالة الاستقطاب المتنامية في المكسيك، ويُظهر حجم القلق الذي أحدثته هذه الموجة الاحتجاجية المفاجئة.
سياق دولي: احتجاجات جيل Z تتوسع عالميًا
تأتي الاحتجاجات التي تشهدها المكسيك اليوم ضمن موجة عالمية أوسع تقودها الفئة العمرية المولودة بين عامي 1997 و2012، المعروفة بـ جيل Z، والتي باتت تُشكّل قوة احتجاجية جديدة ذات تأثير متزايد على المشهد السياسي الدولي.
وتشير صحيفة Politico إلى أنّ هذه الحركة العالمية تتسم بملامح مشتركة، أبرزها: رفض الفساد وتراجع الديمقراطية، والغضب من انعدام العدالة الاجتماعية، والاحتجاج على القيود المفروضة على حرية التعبير والفضاء الإلكتروني.
وكانت أبرز موجات الاحتجاج لهذا الجيل خلال عام 2025 قد شهدتها نيبال، حيث اندلعت مسيرات ضخمة بعد قرار الحكومة حظر مواقع التواصل الاجتماعي. وتحوّلت تلك الاحتجاجات إلى أزمة سياسية حادة، انتهت بـ استقالة رئيس الوزراء النيبالي وسط ضغط شعبي غير مسبوق.
وتربط التقارير بين ما حدث في نيبال وما يجري في المكسيك، إذ يرى المراقبون أن جيل Z أصبح أكثر تنظيمًا عبر الإنترنت وأكثر استعدادًا للنزول إلى الشارع، معتمدًا على رموز موحدة مثل علم القراصنة.
في هذا السياق، تبدو الاحتجاجات المكسيكية جزءًا من حزمة غضب عالمي عبّر عنها هذا الجيل في عدة دول، من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، وسط مؤشرات على أن تأثيره سيتزايد خلال السنوات المقبلة مع صعوده الديمغرافي والسياسي.
المصادر:












