النيابة البرتغالية تحقق في قانونية استخدام أمريكا قاعدة أزوريس خلال حرب إيران

فتحت النيابة العامة البرتغالية تحقيقًا في قانونية استخدام الولايات المتحدة لقاعدة «لاجيس» الجوية في جزر الأزور خلال الحرب مع إيران، لتعيد بذلك إلى الواجهة الجدل داخل البرتغال بشأن الدور الذي لعبته القاعدة الاستراتيجية في العمليات العسكرية الأمريكية المرتبطة بالصراع.
وأكدت النيابة العامة أن التحقيق بدأ على خلفية شكوى قدمها أعضاء من حزب «الكتلة اليسارية» المعارض، الذي طلب في أبريل الماضي فحص ما إذا كان السماح للطائرات والقوات الأمريكية باستخدام القاعدة يتوافق مع القانون البرتغالي والقانون الدولي.
ولا يعني فتح التحقيق القضائي أن السلطات البرتغالية خلصت إلى وقوع مخالفة، وإنما يأتي ضمن التزام النيابة بالتحقيق في الادعاءات بوجود مخالفات عندما تتوافر الأسس القانونية اللازمة لذلك.
قاعدة لاجيس في قلب الجدل البرتغالي
تقع قاعدة «لاجيس» في جزيرة تيرسيرا ضمن أرخبيل الأزور البرتغالي في المحيط الأطلسي، وتتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو».
وتستضيف القاعدة الجناح الجوي رقم 65 التابع للقوات الجوية الأمريكية، كما توفر خدمات الدعم للقوات الأمريكية وقوات الناتو والحلفاء، ما يجعل موقعها الجغرافي حلقة مهمة في حركة الطائرات والعمليات العسكرية عبر المحيط الأطلسي.
ويستند الوجود العسكري الأمريكي في القاعدة إلى اتفاق دفاعي ثنائي يعود إلى عام 1951. ووفق ما أوردته «رويترز»، يسمح الاتفاق لواشنطن باستخدام القاعدة دون موافقة مسبقة خلال فترات السلم، لكنه يتطلب موافقة البرتغال عند اندلاع الأعمال العدائية.
وهذه النقطة هي جوهر الجدل القانوني الحالي، إذ أصبحت موافقة لشبونة على مرور الطائرات الأمريكية خلال الحرب مع إيران موضع تدقيق من جانب المعارضة والنيابة العامة.
عشرات الطائرات الأمريكية عبرت القاعدة
وكان وزير الخارجية البرتغالي باولو رانغل قد قال أمام البرلمان في أبريل إن بلاده سمحت منذ بداية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بهبوط 76 طائرة أمريكية في قاعدة لاجيس، إضافة إلى 25 عملية تحليق في المجال الجوي البرتغالي.
وأوضح رانغل آنذاك أن هذه الموافقات ارتبطت بشرط عدم استخدام القاعدة في عمليات تستهدف البنية التحتية المدنية، مؤكدًا أن البرتغال رفضت في مناسبات أخرى السماح ببعض عمليات الهبوط.
وقال الوزير إن استخدام القاعدة في حالة العمليات العسكرية ضد إيران جرى وفق شروط اعتبرتها الحكومة البرتغالية متوافقة مع القانون الدولي، بما في ذلك أن تكون العمليات ضرورية ومتناسبة وألا تستهدف المدنيين.
كما أكدت الحكومة البرتغالية في وقت سابق أن استخدامها من جانب الولايات المتحدة يستوفي معايير القانون الدولي، وأن البرتغال نفسها ليست طرفًا في الحرب مع إيران.
ما موقف الحكومة البرتغالية؟
دافعت الحكومة المحافظة في لشبونة عن قرارها بالسماح باستخدام قاعدة لاجيس، مؤكدة أن واشنطن قدمت ضمانات بشأن طبيعة العمليات المرتبطة باستخدام القاعدة.
وقال وزير الخارجية باولو رانغل إن البرتغال لم تشارك في الحرب، وإن السماح باستخدام القاعدة جاء بعد تأكيدات أمريكية بأن العمليات ستكون دفاعية وضرورية ومتناسبة، وأنها ستقتصر على أهداف عسكرية.
وكانت الحكومة قد شددت في أبريل على أن استخدام القاعدة لا يعني دخول البرتغال الحرب، معتبرة أن الموافقات التي منحتها للطائرات الأمريكية جاءت في إطار الترتيبات الثنائية القائمة بين البلدين.
لكن هذا التفسير لم ينهِ الجدل السياسي، خصوصًا بعد تصريحات أمريكية أثارت تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق بين واشنطن ولشبونة.
المعارضة تطالب بالتحقيق
تقدم «الكتلة اليسارية» بالشكوى التي أدت إلى فتح التحقيق، بعدما اعتبر الحزب أن السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة لاجيس خلال الحرب يمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي.
وكان الحزب، إلى جانب الحزب الشيوعي البرتغالي، قد دعا أيضًا إلى تشكيل لجنة تحقيق برلمانية بشأن استخدام القوات الأمريكية للقاعدة، لكن البرلمان رفض هذه المقترحات في يونيو.
وبعد إعلان النيابة فتح التحقيق، قال منسق الكتلة اليسارية جوزيه مانويل بيوريس إن الخطوة تستدعي انتظار نتائج التحقيق، لكنه اعتبر فتحه مؤشرًا مهمًا على وجود مسائل قانونية تحتاج إلى التدقيق.
وتتمثل إحدى النقاط الأساسية التي تريد المعارضة توضيحها في مدى توافق الموافقات التي منحتها الحكومة مع القيود التي يفرضها الاتفاق الدفاعي المبرم مع الولايات المتحدة، خصوصًا بعد بدء العمليات العسكرية.
لماذا تحظى القاعدة بهذه الأهمية؟
لا ترتبط أهمية لاجيس بالحرب مع إيران وحدها؛ فالقاعدة تمثل منذ عقود نقطة عبور وإسناد مهمة للقوات الأمريكية وحلفائها بسبب موقعها في منتصف المحيط الأطلسي.
ويمنح موقع الأزور الولايات المتحدة قدرة على دعم عمليات جوية ونقل عسكري بين أمريكا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط، كما توفر القاعدة خدمات لوجستية وعملياتية للقوات الأمريكية وقوات الناتو.
ولهذا فإن أي قيود تفرضها البرتغال على استخدام لاجيس يمكن أن تكون لها انعكاسات على حركة الطائرات العسكرية الأمريكية عبر الأطلسي، خصوصًا خلال الأزمات التي تتطلب عمليات نقل وإمداد واسعة.
وفي المقابل، تضع الاتفاقات الدفاعية البرتغال أمام معادلة دقيقة بين التزاماتها كعضو في الناتو وعلاقاتها الدفاعية مع واشنطن، وبين القيود القانونية والسياسية المتعلقة بالمشاركة أو الدعم في حرب لا تعتبر لشبونة نفسها طرفًا فيها.
التحقيق يفتح ملف الدور البرتغالي في الحرب
يأتي التحقيق في وقت تحاول فيه الحكومة البرتغالية التأكيد على أن سياستها لم تجعل البلاد طرفًا في الحرب، بينما تسعى المعارضة إلى معرفة ما إذا كان السماح باستخدام القاعدة قد منح الولايات المتحدة دعمًا عسكريًا يتجاوز ما تسمح به الاتفاقات والقوانين.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أشاد في مايو بالدول التي ساعدت واشنطن خلال الحرب، وذكر البرتغال تحديدًا في حديث تلفزيوني، مشيرًا إلى أن لشبونة أبدت استعدادها للمساعدة قبل أن تعرف تفاصيل الطلب الأمريكي. وأثارت هذه التصريحات مزيدًا من النقاش داخل البرتغال حول طبيعة الدور الذي لعبته قاعدة لاجيس.
ومن المقرر أن يزور روبيو البرتغال في الثامن من أكتوبر، في زيارة ستتناول ملفات من بينها التعاون الدفاعي، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الإسبانية «إفي».
ويبقى السؤال القانوني الأساسي الآن أمام النيابة البرتغالية هو ما إذا كانت الإجراءات التي اتبعتها الحكومة لمنح الولايات المتحدة حق استخدام قاعدة لاجيس خلال الحرب مع إيران قد التزمت بالاتفاق الثنائي والقواعد القانونية البرتغالية والدولية.
وحتى صدور نتائج التحقيق، تظل الاتهامات التي طرحتها المعارضة ادعاءات قيد الفحص، بينما تتمسك الحكومة البرتغالية بموقفها القائل إن استخدام القاعدة جرى وفق الشروط القانونية والضمانات التي طلبتها لشبونة من واشنطن.












