واشنطن تشدد الخناق على صادرات طهران.. بيسنت: لن يبقى نفط إيراني على الماء هذا الأسبوع

قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن إيران تقترب من استنفاد مخزون النفط الخام الموجود على متن الناقلات، متوقعًا ألا يبقى لديها نفط «على الماء» خلال هذا الأسبوع، في أحدث مؤشر على تصاعد الضغوط الأمريكية الرامية إلى وقف تدفقات النفط الإيراني وتجفيف أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لطهران.
ويأتي تصريح بيسنت بعد أيام من قوله إن نحو 15 مليون برميل فقط من النفط الإيراني كانت لا تزال موجودة «على الماء» في انتظار التسليم، وإن إيران قد تنهي خلال فترة قصيرة ما تبقى من شحناتها إلى الصين، قبل أن تفقد قدرتها على مواصلة التجارة النفطية بالطريقة المعتادة.
وكان بيسنت قد قال في 27 سبتمبر إن طهران قد لا يتبقى لديها «شيء» للتجارة خلال أسبوعين، موضحًا أن الكمية المتبقية من النفط الإيراني الموجود على الناقلات تقدر بنحو 15 مليون برميل، وأن الشحنات المتبقية تتجه إلى الصين.
ماذا يعني اختفاء النفط الإيراني «على الماء»؟
لا يعني تعبير «لا نفط على الماء» توقف إنتاج إيران النفطي بصورة كاملة، وإنما يشير بصورة أساسية إلى نفط خام تم تحميله بالفعل على ناقلات بحرية ويُعد في مرحلة النقل أو التخزين العائم، لكنه لم يصل بعد إلى وجهته النهائية.
وهذه النقطة مهمة في فهم تصريحات بيسنت؛ فإيران تستطيع نظريًا مواصلة إنتاج النفط حتى في حال تعذر تصديره، لكن تراكم الخام داخل البلاد أو على الناقلات دون قدرة على نقله إلى المشترين يحد من الإيرادات التي تحصل عليها الحكومة ويخلق مشكلة تخزين متزايدة.
وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت في سبتمبر عن بيانات من Kpler وVortexa وTankerTrackers.com أن صادرات الخام الإيراني عبر مضيق هرمز تراجعت بصورة حادة، وأنه لم تمر شحنات خام إيرانية بنجاح عبر المضيق إلى الصين منذ إعادة الولايات المتحدة فرض حصارها البحري في 14 يوليو، وفق البيانات التي أوردتها المصادر آنذاك.
صادرات إيران النفطية تتعرض لضربة حادة
أظهرت تقديرات شركات تتبع الناقلات أن عمليات تحميل النفط الإيراني تراجعت بصورة كبيرة خلال الأشهر الماضية.
ووفق تقرير «رويترز» في الأول من سبتمبر، بلغ متوسط تحميل إيران من النفط الخام والمكثفات نحو 220 ألفًا إلى 255 ألف برميل يوميًا خلال أغسطس، مقارنة بنحو 740 ألف برميل يوميًا في يوليو، ونحو مليوني برميل يوميًا في مارس، بحسب تقديرات Kpler وVortexa.
وأدى توقف تدفق شحنات جديدة عبر مضيق هرمز إلى اعتماد إيران بصورة أكبر على المخزونات الموجودة بالفعل في البحر، خصوصًا أن الصين تمثل المشتري الرئيسي المتبقي للنفط الإيراني.
وأفادت «رويترز» في أغسطس بأن عروض الخام الإيراني للمشترين الصينيين تراجعت، في وقت أدت فيه القيود الأمريكية إلى تقليص الشحنات ورفع الأسعار المطلوبة للبراميل المتاحة.
الصين في قلب أزمة النفط الإيراني
تمثل الصين عنصرًا محوريًا في هذه الأزمة، إذ كانت الوجهة الرئيسية للنفط الإيراني في ظل العقوبات الأمريكية السابقة، كما اعتمدت طهران على شبكات معقدة من الوسطاء والناقلات والشركات لتجاوز القيود المفروضة على تجارتها النفطية.
لكن الضغوط الحالية تستهدف ليس فقط الشركات الإيرانية، وإنما أيضًا الأطراف الأجنبية التي تساعد على نقل النفط أو تمويله أو تسويقه.
وفي أغسطس، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توسيع حملة العقوبات ضد إيران، فيما قال بيسنت إن واشنطن ستواصل استهداف الجهات التي تساعد طهران على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
وأطلقت وزارة الخزانة الأمريكية ما وصفته بـ«Operation Economic Outcast»، وهي حملة تستهدف الإيرادات النفطية الإيرانية وشبكات الالتفاف على العقوبات والقنوات المالية المرتبطة بها، بحسب ما أُعلن خلال الأسابيع الماضية.
لماذا يمثل النفط «على الماء» أهمية كبيرة لطهران؟
يمثل النفط الموجود على متن الناقلات نوعًا من المخزون المتحرك الذي يمكن أن يوفر لإيران هامشًا مؤقتًا للحفاظ على صادراتها حتى في ظل تعطل الشحنات الجديدة.
لكن هذا المخزون ليس قابلًا للتجدد إذا ظلت الناقلات عاجزة عن تحميل شحنات جديدة ونقلها إلى المشترين.
وهنا تكمن أهمية تصريحات بيسنت؛ فإذا انتهت الكميات المتبقية الموجودة على الناقلات من دون استئناف عمليات التحميل والتصدير، فإن طهران ستواجه فجوة بين قدرتها على إنتاج الخام وقدرتها على تحويله إلى إيرادات نقدية من الأسواق الخارجية.
وتشير بيانات «رويترز» إلى أن هذه المشكلة أصبحت أكثر وضوحًا خلال الأسابيع الماضية، بعدما ظلت إيران فترة طويلة دون تصدير كميات كبيرة من الخام عبر مضيق هرمز، وهو الممر الذي تعتمد عليه صادراتها البحرية إلى الأسواق الآسيوية.
ضغط اقتصادي يتزامن مع أزمة مضيق هرمز
لا يمكن فصل أزمة النفط الإيراني عن المواجهة الأوسع حول مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية.
وتشير بيانات حديثة نقلتها «رويترز» إلى أن صادرات النفط من منتجي الشرق الأوسط الرئيسيين ارتفعت خلال سبتمبر إلى نحو 12.8 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ بدء الحرب مع إيران في فبراير، مع وصول التدفقات عبر مضيق هرمز إلى نحو 7.4 مليون برميل يوميًا خلال الشهر.
وفي الوقت نفسه، لا تزال حركة الملاحة عبر المضيق جزءًا أساسيًا من المفاوضات والضغوط بين واشنطن وطهران.
وكان بيسنت قد قال في وقت سابق إن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليل اعتماد تجارة النفط العالمية على المضيق من خلال زيادة استخدام خطوط الأنابيب البرية، معتبرًا أن أهمية المضيق بالنسبة لتجارة الطاقة يمكن أن تتراجع مستقبلًا.
هل يعني ذلك توقف إنتاج النفط الإيراني؟
ليس بالضرورة.
فالتعبير الذي يستخدمه بيسنت يتعلق بالأساس بالنفط الموجود في مرحلة النقل أو التخزين العائم، وليس بإمكانية استخراج إيران للنفط من حقولها.
لكن استمرار القيود على التصدير يمكن أن يحول مشكلة التسويق إلى مشكلة إنتاج أيضًا، لأن القدرة على تخزين الخام محدودة، بينما تحتاج الحقول والمنشآت النفطية إلى التعامل مع الإنتاج بصورة مستمرة.
وكان بيسنت قد حذر في أبريل من أن استمرار القيود على تصدير النفط الإيراني قد يدفع طهران إلى إغلاق بعض عمليات الإنتاج بسبب امتلاء قدرات التخزين، وهو ما يوضح أن واشنطن تنظر إلى منع التصدير باعتباره وسيلة للضغط على سلسلة النفط الإيرانية بأكملها، وليس مجرد تعطيل للشحنات البحرية.
من العقوبات إلى خنق الإيرادات النفطية
تكشف تصريحات بيسنت الأخيرة عن انتقال الضغط الأمريكي على إيران من نموذج العقوبات التقليدية إلى محاولة التحكم في قدرة طهران على تحويل إنتاجها النفطي إلى تدفقات مالية.
فالعقوبات تستطيع رفع تكلفة التجارة أو إجبار المشترين والوسطاء على العمل عبر قنوات أكثر تعقيدًا، بينما يؤدي منع الشحنات الجديدة إلى تقليص المخزون المتاح للبيع تدريجيًا.
وبحسب تصريحات بيسنت، فإن واشنطن تراهن على أن استنزاف النفط الموجود على الناقلات، بالتوازي مع العقوبات على شبكات النقل والتمويل، سيجعل طهران أمام خيارات اقتصادية أكثر ضيقًا.
لكن حجم التأثير النهائي سيعتمد على قدرة إيران على إيجاد قنوات بديلة للتصدير، وعلى موقف المشترين، خصوصًا الصين، وعلى مستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وبذلك، فإن عبارة بيسنت عن اختفاء النفط الإيراني «على الماء» لا تعني أن النفط الإيراني اختفى من باطن الأرض، وإنما تعكس اقتراب نفاد أحد أهم مخزونات الخام التي كانت متاحة لطهران للبيع خارج البلاد، في وقت تحاول فيه واشنطن تحويل الحصار على حركة النفط إلى ضغط مباشر على الإيرادات والقدرة الاقتصادية الإيرانية.












