فرنسا.. قاذف قنابل يصيب مراهقًا في وجهه خلال احتجاجات طلابية واسعة
تحولت إصابة مراهق فرنسي يبلغ من العمر 14 عامًا بقذيفة أطلقها شرطي من قاذف قنابل في وجهه إلى واحدة من أكثر وقائع الاحتجاجات الطلابية إثارة للجدل في فرنسا، بعدما وثقت كاميرا لحظة إصابته أمام مدرسة مهنية في مدينة سانت-أوان-لومون، شمال غرب باريس.
وتأتي الواقعة بينما تتسع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، التي بدأت بمطالب تتعلق بنقص المدرسين وتدهور البنية التحتية التعليمية واكتظاظ الفصول، قبل أن تتحول في عدد من المدن إلى مواجهات مع الشرطة وعمليات تخريب وحرائق واعتقالات واسعة.
وبحلول 2 أكتوبر، أعلنت السلطات الفرنسية أن نحو 5 آلاف شخص اعتُقلوا منذ الاثنين، غالبيتهم من المراهقين، بينما أُغلقت نحو 400 مدرسة ثانوية، في مؤشر على اتساع نطاق الأزمة.
ماذا حدث للمراهق الفرنسي؟
وقعت الحادثة صباح 28 سبتمبر 2026 أمام مدرسة «شاتو دِبليش» المهنية في سانت-أوان-لومون، بمنطقة فال دواز.
وأظهرت لقطات مصورة جرى تداولها على نطاق واسع طالبًا في الرابعة عشرة من عمره وسط اشتباك مع أفراد من الشرطة، قبل أن يطلق أحد العناصر قذيفة من قاذف القنابل Cougar باتجاهه، لتصيبه في منطقة الوجه والفك ويسقط على الأرض. وقالت صحيفة «لوموند» إن الفيديو أظهر الإصابة من مسافة قريبة.
وكان الطلاب قد تجمعوا أمام المدرسة ضمن تحركات لإغلاق مداخلها، في إطار الاحتجاجات التي انتشرت في المدارس الفرنسية.
وبحسب شهادات نقلتها «لو باريزيان»، تضمنت مطالب الطلاب في المدرسة قضايا مرتبطة بجداول الدراسة، والتدريب العملي غير المدفوع، وتدهور التجهيزات المدرسية.
إصابات خطيرة في الفك والأسنان
لم تكن إصابة المراهق سطحية.
وقالت محاميته، إلسا مارسيل، إن الفتى تعرض لـكسر مزدوج في الفك، وإن جميع أسنانه العلوية وعددًا كبيرًا من أسنانه السفلية تضررت، وخضع لتدخل جراحي وصفته بأنه بالغ التعقيد. كما أشارت إلى أنه كان غير قادر على الكلام بعد العملية ويعتمد على الكتابة والإشارات للتواصل.
وبحسب والدته، التي تحدثت إلى «لو باريزيان» في 2 أكتوبر، عاد ابنها إلى المنزل بعد العلاج، لكن فكه ظل مثبتًا، وكان يعتمد على السوائل في التغذية.
وتقول الأسرة إن المراهق أصيب بصدمة شديدة، بينما تطالب والدته بكشف ملابسات الواقعة ومحاسبة المسؤولين إذا أثبتت التحقيقات وجود مخالفة.
روايتان حول لحظة إطلاق القذيفة
في المقابل، لا تزال الملابسات القانونية الكاملة للحادثة قيد التحقيق، ولذلك فإن تحديد المسؤولية النهائية عن استخدام القوة لم يُحسم قضائيًا.
وتقول رواية عائلة المراهق ومحاميته إنه كان معزولًا عن المتظاهرين وأن عناصر الشرطة اعتدوا عليه قبل إطلاق القذيفة باتجاه رأسه من مسافة قصيرة.
لكن القضية لا تقتصر على التحقيق في تصرف الشرطي؛ فقد فتحت السلطات أيضًا إجراءً منفصلًا يتعلق بما نُسب إلى المراهق من عنف تجاه شرطية خلال المواجهة نفسها. وبذلك توجد مسارات تحقيق منفصلة تتعلق باستخدام الشرطة للسلاح وبالسلوك المنسوب إلى الشاب أثناء الاشتباك.
وهذه النقطة مهمة في التغطية الصحفية، لأن الفيديو المتداول يوثق لحظة الإصابة، لكنه لا يوفر بمفرده كل السياق السابق لإطلاق القذيفة أو جميع الملابسات القانونية التي سبقت استخدامها.
«مدافع الحقوق» يفتح تحقيقًا مستقلًا
تطور مهم وقع في 1 أكتوبر عندما تدخل «مدافع الحقوق» في فرنسا، وهو هيئة إدارية مستقلة، وقرر فتح تحقيق في إصابة المراهق.
وتضاف هذه الخطوة إلى تحقيق تجريه المفتشية العامة للشرطة الوطنية IGPN، المعروفة باسم «شرطة الشرطة»، بشأن ظروف استخدام السلاح والإصابة. وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز فتح ثلاثة تحقيقات لدى IGPN على خلفية وقائع عنف مرتبطة بالاحتجاجات الطلابية.
ويحمل تدخل «مدافع الحقوق» أهمية خاصة لأن التحقيق الإداري الذي تجريه المؤسسة مستقل عن المسار الجنائي، ويمكنه فحص مدى احترام قواعد السلوك المهني وحقوق القاصر أثناء تدخل الشرطة.
لماذا يثير استخدام «Cougar» جدلًا؟
الجدل لا يتعلق فقط بإصابة هذا المراهق، بل أيضًا بطريقة استخدام الأسلحة التي تعتمدها الشرطة الفرنسية في عمليات حفظ النظام.
وفي يونيو 2026، أصدر «مدافع الحقوق» قرارًا تناول استخدام قاذفات القنابل المسيلة للدموع Cougar في سياق سابق، وخلص إلى أن الإطار المنظم لاستخدام هذا السلاح كان غير واضح في بعض الجوانب، خصوصًا فيما يتعلق بالفرق بين إطلاق القذيفة بزاوية منخفضة وإطلاقها بطريقة مقوسة.
وأوصت المؤسسة بتحديد قواعد أكثر دقة، مشيرة إلى أن إطلاق القذيفة بزاوية تقل عن 30 درجة يمكن أن يؤدي إلى إصابة مباشرة للأشخاص ويرفع مخاطر الإصابات. كما انتقدت في تلك القضية استخدام بعض الأسلحة بطريقة رأت أنها غير متناسبة مع المخاطر القائمة.
ولا يعني ذلك أن القرار السابق يتعلق مباشرة بحادثة سانت-أوان-لومون، لكنه يوفر سياقًا قانونيًا وحقوقيًا مهمًا لفهم سبب خضوع استخدام قاذف Cougar في الحادثة الحالية لتدقيق إضافي.
احتجاجات المدارس تتحول إلى أزمة وطنية
جاءت إصابة المراهق في قلب موجة احتجاجات بدأت في 21 سبتمبر بمدرسة سان إكزوبيري في كريتاي، قبل أن تنتشر إلى مدارس أخرى في منطقة باريس ثم إلى مدن فرنسية عديدة.
وتتمحور مطالب الطلاب حول نقص المدرسين والعاملين، واكتظاظ الفصول، وتدهور المباني المدرسية، وضغط ساعات الدراسة، ومشكلات نظام القبول الجامعي «باركورساب»، إضافة إلى مطالب تختلف من مدرسة إلى أخرى.
وفي 1 أكتوبر، قالت وزارة التعليم إن أكثر من 1020 مدرسة ثانوية تأثرت بالاحتجاجات أو الإضرابات، بينها 222 مدرسة شهدت عمليات إغلاق أو حصار، أي ما يقارب ربع المدارس الثانوية في فرنسا وفق أرقام الوزارة التي نقلتها «لوموند».
وفي اليوم التالي، قالت السلطات إن نحو 400 مدرسة ظلت مغلقة، بينما استمرت المواجهات في مدن مختلفة.
من مطالب تعليمية إلى مواجهات مع الشرطة
مع اتساع الاحتجاجات، شهدت بعض المدن أعمال عنف وتخريب، شملت إشعال حرائق وإلقاء ألعاب نارية ومقذوفات على الشرطة.
وقالت رويترز إن الاحتجاجات تحولت في عدد من المناطق إلى مواجهات عنيفة، بينما أعلنت السلطات اعتقال نحو 5 آلاف شخص منذ الاثنين، غالبيتهم من المراهقين، وفق تصريحات وزير الداخلية لوران نونيز في 2 أكتوبر.
وفي المقابل، قالت وزارة التعليم إن 170 طالبًا و65 من العاملين في قطاع التعليم أصيبوا خلال الاضطرابات، بينهم 40 مدير مدرسة، وفق أرقام أعلنها وزير التعليم إدوار غيفري في 1 أكتوبر.
وتشير هذه الأرقام إلى أن العنف لم يكن مقتصرًا على المواجهات بين الطلاب والشرطة؛ فقد وقعت أيضًا اعتداءات وعمليات تخريب استهدفت مدارس ومدرسين، وهو ما تستخدمه الحكومة لتبرير تشديد إجراءات حفظ النظام.
الحكومة: الاحتجاجات خرجت عن مسارها
تقول الحكومة الفرنسية إن الحركة بدأت بمطالب تعليمية حقيقية، لكنها تحولت في بعض الأماكن إلى أعمال عنف وتخريب.
وقال وزير الداخلية لوران نونيز إن الشرطة تواجه ما وصفه بمستوى غير مقبول من العنف، فيما حث وزير التعليم أولياء الأمور على منع أبنائهم من المشاركة في الاحتجاجات خشية تعرضهم للخطر.
كما عقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اجتماعًا حكوميًا للأزمة، بينما قالت مصادر قريبة من رئاسة الوزراء إن أجهزة الاستخبارات أبلغت الاجتماع بأن سياسيين من حزب فرنسا الأبية LFI المنتمي إلى اليسار الراديكالي كان لهم دور في إطلاق الحركة.
لكن هذه الرواية السياسية مرفوضة من قيادات الحزب، التي اتهمت الحكومة بمحاولة تسييس الاحتجاجات. كما أن رويترز نقلت هذه المعلومة باعتبارها تقييمًا منسوبًا إلى أجهزة الاستخبارات ومصدر قريب من رئيس الوزراء، وليس حقيقة قضائية محسومة.
منظمات حقوقية تنتقد استخدام القوة
في الجهة المقابلة، انتقدت منظمات حقوقية طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين، خصوصًا أن نسبة كبيرة من المشاركين في الاحتجاجات من القاصرين.
وقالت منظمة العفو الدولية في فرنسا إن استخدام القوة يجب أن يبقى ضروريًا ومتناسبًا حتى في الحالات التي يرتكب فيها بعض المتظاهرين أعمال عنف، وشددت على ضرورة مراعاة كون كثير من المشاركين مراهقين.
كما أثارت المنظمة قضية استخدام الغاز المسيل للدموع والأسلحة غير الفتاكة وعمليات التوقيف بحق القاصرين، في وقت تتولى فيه IGPN التحقيق في عدد من الوقائع.
ولا تعني انتقادات المنظمات الحقوقية ثبوت ارتكاب مخالفات في كل واقعة؛ فذلك يخضع للتحقيقات الفردية والأدلة المتاحة.
إصابات أخرى تزيد الجدل
لم تكن حادثة سانت-أوان-لومون الوحيدة التي أثارت الجدل حول استخدام الشرطة للقوة.
وقالت رويترز إن التحقيقات شملت أيضًا واقعة إصابة طالب يبلغ 16 عامًا في عينه خلال تدخل للشرطة، بينما أفادت تقارير عن إصابات أخرى مرتبطة باستخدام الهراوات والغاز والأسلحة غير الفتاكة.
وتقول السلطات، في المقابل، إن أفراد الشرطة تعرضوا أيضًا للعنف خلال الاحتجاجات، بما في ذلك إلقاء ألعاب نارية ومواد خطرة عليهم.
وهكذا أصبحت القضية أمام السلطات الفرنسية مزدوجة: حماية المتظاهرين، وبينهم قاصرون، من الاستخدام غير الضروري للقوة، وفي الوقت نفسه حماية الشرطة والمدارس والممتلكات من أعمال العنف والتخريب.
أزمة التعليم وراء الاحتجاجات
ورغم أن المشاهد العنيفة هي التي تصدرت التغطية الدولية، فإن أصل الاحتجاجات يرتبط بملفات تعليمية متراكمة.
ويقول الطلاب إن نقص المدرسين يؤدي إلى إلغاء حصص دراسية، وإن الفصول مكتظة، بينما تعاني بعض المدارس من مشكلات في المباني والتجهيزات.
وأشارت رويترز إلى أن الحكومة اقترحت في مشروع موازنة 2027 زيادة ميزانية التعليم بنسبة 1.7% إلى 65.53 مليار يورو، وهي زيادة أقل من معدل التضخم، في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية ضغوطًا مالية كبيرة. كما يتوقع أن تتجاوز خدمة الدين الإنفاق على التعليم في العام المقبل.
ويقول الطلاب إن زيادة الميزانية لا تعكس حجم المشكلات التي تواجهها المدارس، خصوصًا في المناطق الأكثر فقرًا.
لماذا أصبحت إصابة مراهق في الرابعة عشرة قضية وطنية؟
أصبحت واقعة سانت-أوان-لومون رمزًا للتوتر المتصاعد بين الدولة والحركة الطلابية لسببين رئيسيين.
الأول هو سن المصاب؛ فهو يبلغ 14 عامًا فقط.
والثاني أن الإصابة جاءت في الوجه والفك، وبطريقة التقطتها كاميرا وانتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما جعل الحادثة تتجاوز حدود المدرسة والمنطقة التي وقعت فيها.
لكن الفيديو، رغم أهميته، لا يكفي وحده للحكم على قانونية استخدام القوة، وهو ما يفسر دخول IGPN و«مدافع الحقوق» على خط التحقيق.
فرنسا أمام اختبار جديد في إدارة احتجاجات القاصرين
مع استمرار الاحتجاجات، تواجه الحكومة الفرنسية معادلة معقدة: الاستجابة لمطالب الطلاب المتعلقة بالتعليم، والحفاظ على الأمن أمام أعمال التخريب والعنف، وضمان ألا يتحول تدخل الشرطة إلى عامل جديد لتصعيد الغضب.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بعدما امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من ألف مدرسة، وارتفع عدد الاعتقالات إلى آلاف، وأصبح استخدام القوة ضد القاصرين أحد المحاور الرئيسية للنقاش العام.
أما المراهق المصاب في سانت-أوان-لومون، فقد خرج من المستشفى إلى منزله، لكن التحقيقات التي تجريها الشرطة القضائية وIGPN، إلى جانب تحقيق «مدافع الحقوق»، هي التي ستحدد ما إذا كان استخدام قاذف القنابل في تلك اللحظة متوافقًا مع القواعد القانونية والمهنية أم لا.
وبينما تتواصل الاحتجاجات، أصبحت تلك الإصابة أكثر من مجرد واقعة فردية؛ فهي الآن اختبار لحدود استخدام القوة في التعامل مع احتجاجات يقودها قاصرون، ولقدرة الدولة الفرنسية على احتواء أزمة تعليمية من دون أن تتحول الشوارع والمدارس إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الطلاب والشرطة.












