الحوثيون: السعودية تحاول تعويض فشل المشروع الأمريكي الصهيوني في باب المندب

اتهم الحوثيون السعودية بمحاولة تعويض ما وصفوه بـ«فشل المشروع الأمريكي الصهيوني» عبر التحرك العسكري المرتقب في اليمن، وذلك بالتزامن مع تقارير عن استعداد الرياض لشن عملية واسعة ضد الجماعة بهدف استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية قرب مضيق باب المندب وتأمين طريق الملاحة في البحر الأحمر.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية تصعيدًا متسارعًا، بعدما حقق الحوثيون تقدمًا على الساحل الغربي لليمن وسيطروا على مواقع وجزر قريبة من باب المندب، الأمر الذي دفع السعودية إلى دراسة خيارات عسكرية تتراوح بين عملية ساحلية محدودة وهجوم أوسع على عدة جبهات، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين إقليميين وغربيين.
ماذا يقول الحوثيون عن التحرك السعودي؟
يرى الحوثيون أن التحركات السعودية الجديدة تأتي في إطار محاولة لإعادة رسم ميزان القوى في اليمن بعد التطورات العسكرية الأخيرة، ويقدمونها باعتبارها امتدادًا لمواجهة إقليمية أوسع تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويجب التعامل مع هذا التوصيف باعتباره موقفًا سياسيًا وإعلاميًا صادرًا عن الحوثيين، وليس توصيفًا مستقلًا لأهداف العملية السعودية. فالمعلومات التي نشرتها رويترز عن الخطط السعودية تشير بصورة أساسية إلى هدف معلن يتمثل في عكس المكاسب العسكرية التي حققها الحوثيون مؤخرًا، واستعادة السيطرة على مناطق ساحلية وممرات بحرية مهمة، وفي مقدمتها باب المندب.
وبحسب المصادر التي تحدثت إلى رويترز، تدرس الرياض خيارين رئيسيين: الأول عملية تتركز في محيط باب المندب، والثاني هجوم أوسع يتزامن مع عمليات في محافظات يمنية أخرى، بينها البيضاء ومأرب وتعز والجوف.
لماذا أصبح باب المندب محور المواجهة؟
يمثل مضيق باب المندب نقطة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويشكل البوابة الجنوبية لحركة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
وتحذر الأمم المتحدة من أن التوتر حول المضيق لا يقتصر تأثيره على أطراف الصراع اليمني؛ فقد قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد خياري أمام مجلس الأمن في سبتمبر إن الوضع في باب المندب أصبح أكثر اضطرابًا مع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على عدد من الجزر في جنوب البحر الأحمر. وأضاف أن التطورات تحمل تداعيات على الأمن البحري الدولي والتجارة العالمية.
وفي أحدث تطورات الأزمة، أشارت الأمم المتحدة إلى أن باب المندب يمثل ممرًا أساسيًا لحركة الغذاء والوقود والسلع التجارية بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، محذرة من أن استمرار الاضطرابات يمكن أن يرفع أسعار الغذاء ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
السعودية تستعد لعملية عسكرية جديدة
كشفت رويترز أن السعودية تدرس شن عملية عسكرية ضد الحوثيين خلال الأسابيع المقبلة، بقيادة قوات يمنية برية خاضعة لإشراف الرياض، مع إسناد جوي سعودي.
وبحسب ستة أشخاص مطلعين على الاستعدادات، قد يصل حجم القوات اليمنية التي يمكن حشدها إلى أكثر من 100 ألف مقاتل، اعتمادًا على نطاق العملية التي ستقررها الرياض.
ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية للعملية في عكس التقدم السريع الذي حققه الحوثيون خلال سبتمبر، عندما تقدموا جنوبًا على امتداد الساحل وسيطروا على مناطق قريبة من باب المندب. وتقول المصادر التي تحدثت إلى رويترز إن الرياض ترى أن استمرار سيطرة الحوثيين على المضيق يمنح الجماعة نفوذًا استراتيجيًا كبيرًا على حركة الملاحة.
ولا يعني ذلك أن قرار شن العملية قد حُسم نهائيًا؛ إذ أشارت رويترز إلى أن توقيت إطلاقها لا يزال غير واضح، وأن التقديرات التي قدمتها المصادر تراوحت بين أسابيع قليلة أو فترة لاحقة.
هل تدخل الولايات المتحدة الحرب مباشرة؟
تكشف التطورات الحالية عن دعم أمريكي للسعودية، لكن ذلك لا يعني، وفق المعلومات المتاحة، مشاركة أمريكية قتالية مباشرة في العملية المرتقبة.
وبحسب رويترز، تقدم واشنطن معلومات استخباراتية لدعم العمليات السعودية في اليمن، بما في ذلك معلومات مرتبطة بالأهداف، بينما لا يتوقع في الوقت الحالي أن يشارك الحلفاء السعوديون بصورة مباشرة في العمليات القتالية.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض طلبات سعودية للحصول على دعم عسكري أمريكي مباشر، بما في ذلك تنفيذ ضربات جوية ضد الحوثيين.
وهنا تبرز نقطة مهمة في قراءة التصريحات الحوثية: فالجماعة تربط التحرك السعودي بما تسميه «المشروع الأمريكي الصهيوني»، بينما تشير التقارير الغربية المتاحة إلى شبكة أوسع من الدعم والمساندة العسكرية والاستخباراتية للسعودية، مع بقاء الدور الأمريكي المباشر في العمليات الهجومية محل تحفظ.
تركيا وباكستان تدخلان على خط الأزمة
لا تتحرك السعودية في هذه الأزمة بمعزل عن شركائها الإقليميين.
ففي أغسطس وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك، ينص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا. وجاء الاتفاق وسط تصاعد التهديدات الإقليمية والهجمات الحوثية على السعودية.
وفي سبتمبر، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده مستعدة لتلبية الاحتياجات العسكرية السعودية في إطار الاتفاق الدفاعي الثلاثي، مشيرًا إلى ما وصفه بهجمات خطيرة على الأراضي والسيادة السعودية.
كما أفادت رويترز بأن تركيا قدمت طائرات مسيّرة سبق أن اشترتها السعودية، بينما أرسلت باكستان معدات عسكرية ومستشارين، في إطار دعم القدرات الدفاعية السعودية.
وفي المقابل، تعهد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف بالدفاع عن السعودية «بكل الوسائل المتاحة»، دون أن يؤكد أن الرياض طلبت من إسلام آباد المشاركة في الضربات الجوية.
الحوثيون يوسعون الضغط على السعودية
التصعيد لم يعد محصورًا في الساحل اليمني.
فخلال سبتمبر، كثف الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل السعودية، بالتزامن مع إعلان الجماعة حصارًا بحريًا على السفن المرتبطة بالرياض.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن الحوثيين استخدموا الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوارب غير المأهولة لتهديد السفن والممرات البحرية، في وقت وسعت فيه الجماعة تحركاتها باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.
كما وثقت وكالة الأنباء السعودية، في واقعة منفصلة، اتهام التحالف الذي تقوده الرياض للحوثيين باستهداف محطة توزيع كهرباء في المدينة المنورة بطائرة مسيّرة، وهي المحطة التي توفر الكهرباء لخدمات المسجد النبوي. وقال التحالف إن التحقيقات وحطام المسيّرة أثبتا، بحسب روايته، تورط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ، بينما تبقى هذه الرواية جزءًا من الموقف السعودي الرسمي بشأن الحادث.
معركة باب المندب تتجاوز اليمن
تكتسب المواجهة الجديدة أهمية أكبر لأن السيطرة على باب المندب لم تعد مجرد مكسب ميداني داخل الحرب اليمنية، بل أصبحت ورقة ضغط على أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
وتشير تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن التوترات الأخيرة دفعت السعودية إلى إعادة النظر في أمن طرق تصدير الطاقة، في وقت تتعرض فيه المنطقة لضغوط متزامنة حول مضيقي هرمز وباب المندب.
كما حذرت مؤسسة RUSI من أن المعركة حول باب المندب أصبحت جزءًا من تنافس أوسع على شكل الأمن الإقليمي، مع انخراط السعودية وإسرائيل وتركيا وباكستان والولايات المتحدة بدرجات مختلفة في حسابات المواجهة.
وهذا يجعل أي عملية سعودية محتملة ضد الحوثيين أكبر من مجرد هجوم لاستعادة أراضٍ يمنية؛ فهي ترتبط بأمن الملاحة الدولية، وأمن الطاقة، وتوازن القوى بين السعودية وإيران وحلفائهما، إضافة إلى مسار الحرب الأوسع في الشرق الأوسط.
التصعيد يهدد المسار الإنساني في اليمن
في الوقت نفسه، تأتي هذه التطورات في بلد يعاني أصلًا من أزمة إنسانية عميقة.
وقالت الأمم المتحدة إن التصعيد الأخير أدى إلى نزوح آلاف الأشخاص، فيما حذر برنامج الأغذية العالمي من تدهور حاد في الأمن الغذائي بالمناطق الخاضعة للحكومة اليمنية. وبحسب بيانات نقلتها رويترز عن البرنامج، أصبحت 74% من الأسر في المناطق التي يمكن الوصول إليها والخاضعة للحكومة غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية من الغذاء.
كما حذرت الأمم المتحدة من أن اضطراب باب المندب يمكن أن يمتد تأثيره إلى أسعار الغذاء والوقود وسلاسل الإمداد في دول عديدة، لأن المضيق يمثل حلقة أساسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
باب المندب أمام مرحلة جديدة من التصعيد
بين اتهامات الحوثيين للسعودية بمحاولة تعويض ما يصفونه بفشل المشروع الأمريكي الصهيوني، واستعداد الرياض لعملية عسكرية تستهدف استعادة مواقع استراتيجية على الساحل اليمني، يبدو أن باب المندب تحول إلى مركز جديد للصراع الإقليمي.
لكن التطور الأكثر أهمية هو أن المواجهة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على أراضٍ يمنية؛ فالممر البحري أصبح ورقة استراتيجية تمس حركة التجارة والطاقة والأمن البحري الدولي.
وفي حال انتقلت السعودية من مرحلة التحضير إلى تنفيذ عملية واسعة، فإن طبيعة القوات اليمنية المشاركة، وحجم الدعم الجوي السعودي، ومدى استمرار المساندة الاستخباراتية الأمريكية، وقدرة الحوثيين على الرد بالصواريخ والمسيّرات، ستكون عوامل رئيسية في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
أما التصريحات الحوثية، فتقدم قراءة الجماعة للتطورات باعتبارها مواجهة تتجاوز حدود اليمن، بينما تكشف التحركات السعودية والإقليمية أن المعركة على باب المندب أصبحت جزءًا من صراع أوسع على الأمن البحري والنفوذ الإقليمي وطرق التجارة العالمية.












