إيران تعرض شراكة طويلة الأمد مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.. طهران توسع بوابة التجارة شرقًا

وجهت إيران رسالة جديدة لتعزيز حضورها الاقتصادي في الفضاء الأوراسي، بعدما أعلن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، استعداد بلاده للقيام بدور فاعل وموثوق وطويل الأمد في تطوير التعاون الاقتصادي والإقليمي مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، في خطوة تأتي بالتزامن مع دخول اتفاق التجارة الحرة بين الجانبين مرحلة التنفيذ الفعلي واتساع مسارات التعاون بين طهران والدول الأعضاء في الاتحاد.
وجاء موقف عارف في رسالة إلى اجتماع المجلس الحكومي الدولي للاتحاد الاقتصادي الأوراسي المنعقد في العاصمة البيلاروسية مينسك، تلاها السفير الإيراني لدى بيلاروسيا محسن أميد زماني أمام رؤساء الحكومات وكبار المسؤولين المشاركين في الاجتماع، وفق ما أوردته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.
عارف: إيران مستعدة لشراكة فاعلة وموثوقة وطويلة الأمد
أكد عارف أن إيران مستعدة للمشاركة إلى جانب دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بوصفها «شريكًا فاعلًا وموثوقًا وعلى المدى الطويل» في تطوير التعاون الاقتصادي والإقليمي.
وربط المسؤول الإيراني بين التعاون الاقتصادي والأمن السياسي، معتبرًا أن التداخل المتزايد بين المجالين يجعل بناء شراكات اقتصادية مستقرة جزءًا من ترتيبات التعاون الإقليمي الأوسع.
كما قال إن طهران تنظر إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي باعتباره منصة مهمة لتعزيز التعاون الإقليمي، مشددًا على مبادئ التعددية والاحترام المتبادل والمساواة في حقوق الدول، بحسب نص الرسالة الذي نقلته وكالة مهر.
وتحمل الرسالة أيضًا بُعدًا سياسيًا واضحًا؛ إذ انتقد عارف ما وصفه بالأحادية، وربط معارضتها بالدفاع عن سيادة الدول وحرية التجارة والاستقلال الاقتصادي وحق الدول في اختيار مساراتها التنموية وشركائها.
اتفاق تجارة حرة يضع الأساس للشراكة
ولا يأتي إعلان طهران في فراغ اقتصادي، إذ أصبحت العلاقات التجارية بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي مؤطرة باتفاق تجارة حرة شامل دخل حيز التنفيذ في 15 مايو 2025، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية.
ويضم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان، بينما تتمتع إيران بوضع الدولة المراقبة في الاتحاد. ويغطي اتفاق التجارة الحرة تجارة السلع بين إيران والدول الأعضاء، ويمثل انتقالًا من نظام تجاري تفضيلي محدود إلى إطار أوسع للتبادل التجاري.
وكان الاتحاد الاقتصادي الأوراسي قد أوضح عند توقيع الاتفاق أن الرسوم الجمركية ستُلغى على نطاق واسع من السلع، بينما أشارت منظمة التجارة العالمية إلى أن الاتفاق أصبح نافذًا رسميًا في مايو 2025.
وفي مايو 2026، قال أندريه سليبيف، وزير التجارة في المفوضية الاقتصادية الأوراسية، إن التجارة بين الطرفين ارتفعت بنسبة 14% خلال الأشهر التسعة الأولى من تنفيذ الاتفاق، مؤكدًا وجود اهتمام متزايد من الشركات في الجانبين بتطوير التعاملات التجارية. كما ناقش المسؤولون الإيرانيون والأوراسيون تنفيذ خريطة طريق للتعاون التجاري والاقتصادي تمتد لثلاث سنوات.
موسكو في قلب المعادلة الاقتصادية
وتكتسب الشراكة الإيرانية مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الاقتصادي لروسيا داخل التكتل، فضلًا عن العلاقات الثنائية المتنامية بين موسكو وطهران.
وكان اتفاق التجارة الحرة قد فتح المجال أمام توسيع صادرات مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية والصناعية، بما يشمل الحبوب والزيوت واللحوم والمنتجات الغذائية، إلى جانب المعادن والمنتجات الكيميائية والمعدات والآلات وقطاعات صناعية أخرى.
ووفق المفوضية الاقتصادية الأوراسية، فإن التعاون لا يقتصر على التجارة التقليدية، بل يمتد إلى قطاعات مثل التعدين وكفاءة الطاقة والنمو الأخضر والبحث والابتكار والطب والاتصالات، إضافة إلى النقل واللوجستيات، وهي مجالات ترتبط مباشرة بموقع إيران في شبكات النقل الإقليمية.
وتشير بيانات نقلتها رويترز عند دخول الاتفاق حيز التنفيذ إلى أن متوسط الرسوم المفروضة على الواردات الروسية إلى السوق الإيرانية كان متوقعًا أن ينخفض من نحو 16.7% إلى 5.2%، بما يعزز فرص نمو التجارة بين الجانبين، فيما كانت موسكو وطهران تستهدفان رفع حجم التبادل التجاري إلى نحو 6 مليارات دولار.
«شمال-جنوب».. الطريق الآخر للشراكة
ويمثل النقل أحد أكثر الملفات ارتباطًا بتوسع العلاقات الإيرانية مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، خصوصًا في ظل موقع إيران الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى والخليج والمحيط الهندي.
وكانت المفوضية الاقتصادية الأوراسية قد أشارت إلى أهمية التعاون مع إيران في إطار تطوير الممر الدولي للنقل «شمال-جنوب»، الذي يستهدف تعزيز حركة البضائع بين روسيا وشمال أوروبا من جهة والهند وإيران والمناطق الواقعة جنوبها من جهة أخرى.
ومن شأن تطوير البنية التحتية للنقل والعبور أن يمنح اتفاق التجارة الحرة بعدًا يتجاوز خفض الرسوم الجمركية، من خلال تقليص تكاليف النقل وفتح مسارات جديدة أمام الصادرات والواردات بين الأسواق الأوراسية والإيرانية.
لماذا تتحرك طهران نحو شراكات أوراسية طويلة الأمد؟
يعكس تصريح عارف رغبة إيران في تحويل العلاقات الاقتصادية مع الدول الأوراسية من تعاون تجاري متفرق إلى إطار أكثر استدامة، خصوصًا مع وجود اتفاق تجاري نافذ بالفعل وآليات مشتركة لمتابعة تنفيذه.
وتوفر أسواق روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان مجالًا أمام المنتجات الإيرانية، بينما تستطيع إيران أن تشكل سوقًا ومسار عبور للسلع القادمة من دول الاتحاد نحو أسواق أخرى في المنطقة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو تجاري مستدام يعتمد على عوامل عملية، من بينها كفاءة شبكات النقل، والإجراءات الجمركية، والقدرة على تسوية المدفوعات، والمعايير الفنية، وتوافر الخدمات اللوجستية، فضلًا عن قدرة الشركات الخاصة على الاستفادة من التسهيلات التي يوفرها اتفاق التجارة الحرة.
ولهذا فإن حديث طهران عن شراكة طويلة الأمد لا يرتبط فقط بحجم التجارة الحالية، وإنما بمحاولة بناء شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية المتبادلة تشمل التجارة والطاقة والصناعة والنقل والتكنولوجيا.
من اتفاق تجاري إلى إطار تعاون أوسع
ويشير المسار الذي اتخذته العلاقات بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي خلال السنوات الأخيرة إلى انتقال تدريجي من اتفاقات محدودة إلى تعاون اقتصادي أكثر شمولًا.
فالاتفاق المؤقت الذي سبق اتفاق التجارة الحرة ساهم في زيادة التبادل التجاري بين الجانبين، قبل أن تنتقل العلاقات إلى اتفاق كامل دخل حيز التنفيذ في 2025. وفي مايو 2026، ناقش الجانبان كذلك تنفيذ خريطة طريق للتعاون التجاري والاقتصادي، بما يعكس استمرار العمل على توسيع مجالات الشراكة.
وفي رسالته إلى اجتماع مينسك، وضع عارف هذا المسار ضمن رؤية إيرانية أوسع تقوم على التعددية وحرية التجارة والاستقلال الاقتصادي، مؤكدًا أن طهران تريد أن تكون جزءًا مستمرًا من منظومة التعاون الأوراسي.
وبذلك، تبدو الرسالة الإيرانية الجديدة محاولة لتثبيت موقع طهران داخل شبكة اقتصادية أوراسية تتجاوز العلاقات الثنائية مع روسيا، مستفيدة من اتفاق تجارة حرة قائم بالفعل، ومن موقعها الجغرافي في مسارات النقل الإقليمية، ومن رغبة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي في توسيع علاقاته التجارية مع شركاء خارج حدوده.
المصادر الأساسية هنا هي وكالة مهر نقلًا عن الرسالة الإيرانية، والمفوضية الاقتصادية الأوراسية، ومنظمة التجارة العالمية، مع استخدام رويترز للسياق التجاري. وهذا يتيح نسبة كل معلومة إلى مصدرها بدل تقديم التصريحات الإيرانية أو التوقعات التجارية باعتبارها حقائق مستقلة.










