اقتصاد

واشنطن تستهدف قطاعات السيارات والسكك الحديدية والصلب في إيران بعقوبات جديدة

صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها الاقتصادية على إيران بإعلان حزمة جديدة من العقوبات تستهدف قطاعات السيارات والسكك الحديدية والتصنيع والمعادن والصلب، في أحدث خطوة ضمن حملة «Operation Economic Outcast» التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بهدف تضييق مصادر الإيرادات والقدرات اللوجستية المتبقية لدى الاقتصاد الإيراني.

وقالت وزارة الخزانة الأمريكية، الخميس، إن الإجراءات الجديدة تستهدف شركات إيرانية رئيسية، بينها أكبر شركتي تصنيع سيارات في البلاد، إلى جانب شركات السكك الحديدية وشبكات توريد مرتبطة بصناعات السيارات والمعادن، إضافة إلى شركات ووسطاء في عدد من الدول. وتأتي العقوبات بعد يومين فقط من إجراءات أمريكية أخرى استهدفت شبكات قالت واشنطن إنها مرتبطة بشراء أسلحة ومكونات عسكرية لصالح إيران.

إيران خودرو وسايبا في قلب العقوبات

ركزت الحزمة الجديدة على شركتي إيران خودرو (IKCO) وسايبا (SAIPA)، وهما أكبر شركتين لصناعة السيارات في إيران.

وقالت الخزانة الأمريكية إن الشركتين تمثلان معًا أكثر من 90% من سوق السيارات المحلي الإيراني، ما يجعل استهدافهما ذا أهمية تتجاوز قطاع السيارات نفسه إلى جزء واسع من النشاط الصناعي والاستهلاكي داخل البلاد. كما شملت العقوبات شركات أخرى في صناعة السيارات والدراجات النارية، بينها Niroo Motor، إلى جانب موردين وشركات مرتبطة بالقطاع في الإمارات وتركيا وهونغ كونغ وإندونيسيا وألمانيا والصين.

وبحسب رويترز، تستهدف واشنطن من خلال هذه الإجراءات قطاعات تعتبرها من مصادر الإيرادات والقدرات اللوجستية المهمة المتبقية لإيران، في إطار استراتيجية أوسع لعزل الاقتصاد الإيراني عن النظام المالي الدولي.

لماذا السكك الحديدية؟

اللافت في الحزمة الجديدة هو إدراج قطاع السكك الحديدية إلى جانب صناعة السيارات.

وشملت العقوبات شركة السكك الحديدية لجمهورية إيران الإسلامية المملوكة للدولة، وشركة Raja Passenger Trains لنقل الركاب، إلى جانب شركة خاصة لنقل البضائع بالسكك الحديدية.

وترى واشنطن أن قطاع النقل البري والسكك الحديدية أصبح أكثر أهمية بالنسبة لإيران في ظل القيود المفروضة على صادرات النفط عبر مضيق هرمز.

وبحسب رويترز، أدى الحصار المفروض على حركة النفط الإيراني عبر المضيق إلى زيادة اعتماد طهران على وسائل النقل البرية والسكك الحديدية لنقل النفط والمنتجات البترولية والأسمدة والمواد الكيميائية وسلع أخرى. ولذلك تستهدف العقوبات الجديدة، وفق التفسير الأمريكي، إحدى القنوات التي يمكن أن تساعد الاقتصاد الإيراني على التكيف مع القيود المفروضة على الملاحة البحرية.

وهذا يعطي العقوبات بعدًا مختلفًا عن العقوبات التقليدية التي تستهدف المؤسسات المالية أو صادرات النفط مباشرة؛ إذ تحاول واشنطن هذه المرة الضغط على البدائل اللوجستية التي يمكن أن تستخدمها طهران لتخفيف آثار العقوبات والقيود على التجارة البحرية.

الصلب والصناعات الثقيلة تحت الضغط

امتدت الحزمة أيضًا إلى شركات إيرانية تعمل في قطاع الصلب والصناعات الثقيلة.

ومن بين المستهدفين شركة Heavy Equipment Production Company (HEPCO)، التي تصفها الخزانة الأمريكية بأنها واحدة من الشركات الكبرى في الشرق الأوسط في مجال تصنيع معدات التعدين وإنشاء الطرق.

كما استهدفت الإجراءات الأمريكية شركة تابعة لـHEPCO في شنغهاي، إلى جانب شركات في الإمارات وألمانيا قالت واشنطن إنها قدمت دعمًا أو خدمات مرتبطة بشركات الصلب الإيرانية.

وشملت العقوبات كذلك شبكة مرتبطة بتصدير الصلب والنفط، تديرها شخصيات تحمل جنسيتي هونغ كونغ وجمهورية الدومينيكان، وفق المعلومات التي أوردتها التغطية المستندة إلى بيانات الخزانة الأمريكية.

ويعني ذلك أن الحزمة لا تستهدف منتجًا واحدًا، وإنما تمتد إلى سلسلة القيمة الصناعية من التصنيع الثقيل إلى النقل والتوريد والتجارة الخارجية.

«عملية الإقصاء الاقتصادي» تتوسع

تأتي العقوبات الجديدة في إطار حملة Operation Economic Outcast التي أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية في 24 أغسطس/آب.

وقالت الوزارة عند إطلاق الحملة إنها تستهدف قطع «شرايين» الاقتصاد الإيراني التي تستخدمها الحكومة الإيرانية لتمويل أنشطتها، وإن واشنطن ستعمل على استهداف شبكات النفط والتمويل والتهرب من العقوبات والتكنولوجيا والنقل.

كما أعلنت الخزانة في ذلك الوقت توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على أطراف أجنبية تتعامل مع القطاعات الإيرانية المستهدفة، بما يسمح لواشنطن بملاحقة شركات وأفراد خارج إيران في حالات محددة.

ومنذ إطلاق العملية، اتخذت واشنطن سلسلة من الإجراءات المتتابعة، شملت شبكات مالية، وقطاع النفط والبتروكيماويات، وشبكات مرتبطة بالوكلاء الإقليميين لإيران، ثم شبكات شراء الأسلحة والمكونات العسكرية.

وفي 29 سبتمبر، أعلنت وزارة الخزانة عقوبات على أفراد وكيانات في عدة دول، قالت إنهم شاركوا في شراء أسلحة ومكونات لصالح وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية (MODAFL)، التي تشرف على قطاعات تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وبذلك تأتي عقوبات السيارات والسكك الحديدية والصلب ضمن مسار تصعيدي متتابع وليس كإجراء منفرد.

واشنطن تستهدف «شرايين» الاقتصاد

قال وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، إن الإجراءات الجديدة تستهدف ما وصفته واشنطن بـ«مُمكّني» الاقتصاد الإيراني، معتبرًا أن قطاعي السكك الحديدية والسيارات يمثلان مصادر مهمة للإيرادات والقدرات اللوجستية.

وبحسب رويترز، تهدف إدارة ترامب من خلال هذه السياسة إلى تقليص الموارد التي يمكن أن تستخدمها طهران في تمويل الحرب وبرامج الصواريخ والهجمات السيبرانية والحرس الثوري، ودفعها في النهاية نحو التفاوض على إنهاء الصراع.

وهنا تظهر فلسفة الحملة الأمريكية: بدل الاعتماد على عقوبات النفط وحدها، تحاول واشنطن استهداف كل قناة بديلة يمكن أن تستخدمها إيران للحفاظ على تدفق الأموال والسلع والخدمات.

العقوبات الجديدة تأتي وسط أزمة هرمز

تزامن الإعلان مع استمرار أزمة مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا أساسيًا لتجارة الطاقة العالمية.

وبحسب رويترز، أدت القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية عبر المضيق إلى زيادة أهمية الطرق البرية والسكك الحديدية داخل إيران، وهو ما يفسر جزءًا من اختيار هذه القطاعات تحديدًا في الحزمة الجديدة.

ومن منظور واشنطن، فإن منع إيران من تعويض خسائر صادراتها البحرية عبر وسائل نقل بديلة يمكن أن يزيد الضغط الاقتصادي على الحكومة.

لكن بالنسبة إلى إيران، قد يؤدي هذا النوع من العقوبات إلى زيادة تكلفة نقل السلع والطاقة والمواد الخام، ورفع الضغط على الشركات التي تعتمد على سلاسل توريد دولية.

العقوبات لا تستهدف إيران وحدها

من السمات اللافتة في الحملة الأمريكية الجديدة أن آثارها المحتملة تتجاوز الشركات الإيرانية.

فالحزمة الجديدة طالت شركات وموردين في الإمارات وتركيا وهونغ كونغ وإندونيسيا وألمانيا والصين، في إطار ما تعتبره واشنطن شبكات مساعدة للقطاعات الإيرانية المستهدفة.

وهذا يرفع المخاطر على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران، خصوصًا في ظل توسع التحذيرات الأمريكية المتعلقة بالعقوبات الثانوية.

وكانت وزارة الخزانة قد حذرت منذ إطلاق «Operation Economic Outcast» من أن الجهات التي تساعد إيران على غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات يمكن أن تواجه إجراءات تقطع وصولها إلى النظام المالي الأمريكي.

تأثير محتمل على الاقتصاد الإيراني

يصعب تحديد الأثر النهائي للعقوبات الجديدة فورًا، لكن استهداف شركات تمثل أكثر من 90% من سوق السيارات الإيراني المحلي يرفع من أهمية الإجراء بالنسبة إلى الاقتصاد.

فقطاع السيارات لا يرتبط فقط ببيع المركبات، وإنما يمتد إلى آلاف الموردين والمصانع وقطع الغيار والخدمات اللوجستية والعمالة.

كما أن استهداف السكك الحديدية يمكن أن يؤثر في حركة الركاب والبضائع، بينما يمكن أن تزيد العقوبات على الصلب والمعدات الثقيلة من صعوبة حصول الشركات الإيرانية على تقنيات وقطع ومكونات من الأسواق الخارجية.

لكن قدرة العقوبات على تحقيق أهدافها ستعتمد بدرجة كبيرة على مدى التزام الدول والشركات الأجنبية بها، وعلى قدرة إيران على استخدام قنوات تجارية بديلة وشبكات وسطاء لتأمين احتياجاتها.

إيران تواجه ضغطًا اقتصاديًا وعسكريًا متزامنًا

يأتي التصعيد الاقتصادي في وقت تشهد فيه المواجهة بين واشنطن وطهران توترًا عسكريًا ودبلوماسيًا متزايدًا.

وفي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه العقوبات، نقلت رويترز عن مسؤولين إيرانيين كبار أن طهران تستعد لرد أوسع إذا استأنفت الولايات المتحدة هجمات واسعة النطاق عليها، مع دراسة توسيع نطاق الأهداف المحتملة إلى ما يتجاوز المصالح الأمريكية المباشرة في المنطقة.

وفي المقابل، أبقت إدارة ترامب الباب مفتوحًا أمام استئناف العمليات العسكرية، بينما قال الرئيس الأمريكي إن المقترح الإيراني الأخير للسلام لم يكن كافيًا، بحسب وكالة أسوشيتد برس.

وبذلك تتزامن أداة الضغط الاقتصادي مع الاستعدادات العسكرية، فيما لا تزال القنوات الدبلوماسية قائمة عبر وسطاء.

من العقوبات إلى الضغط الشامل

تكشف الحزمة الجديدة عن تحول في طبيعة استراتيجية العقوبات الأمريكية تجاه إيران.

فواشنطن لم تعد تركز فقط على النفط أو المؤسسات المالية، وإنما تتحرك لاستهداف قطاعات تعتبرها قادرة على توفير الإيرادات أو الحفاظ على القدرة اللوجستية والصناعية للدولة الإيرانية.

وتشمل هذه المقاربة حاليًا الطاقة والتمويل والنقل والسيارات والسكك الحديدية والصلب والتكنولوجيا وشبكات شراء السلاح، مع توسيع نطاق العقوبات ليشمل أطرافًا خارج إيران.

وهذا يجعل «Operation Economic Outcast» حملة متعددة المسارات، هدفها المعلن خفض قدرة طهران على تمويل أنشطتها العسكرية والاقتصادية، وليس مجرد معاقبة عدد محدد من المسؤولين أو الشركات.

وفي النهاية، تمثل العقوبات الأمريكية الجديدة تصعيدًا نوعيًا في الضغط الاقتصادي على إيران، لأنها تستهدف قطاعات إنتاجية ولوجستية واسعة بدل الاقتصار على شبكات مالية أو أفراد محددين.

واستهداف إيران خودرو وسايبا يضغط على قلب صناعة السيارات المحلية، بينما يطال إدراج شركات السكك الحديدية قناة نقل مهمة للركاب والبضائع، في حين يضيف استهداف شركات الصلب والمعدات الثقيلة ضغطًا جديدًا على قاعدة التصنيع الإيرانية.

وتزداد أهمية الخطوة بسبب توقيتها؛ فهي تأتي وسط قيود على حركة النفط عبر مضيق هرمز، وتصعيد عسكري محتمل بين واشنطن وطهران، وتحرك دبلوماسي لم يصل بعد إلى اتفاق.

وعليه، فإن العقوبات الجديدة تبدو جزءًا من استراتيجية أمريكية أوسع تقوم على تقليص قدرة إيران على استخدام البدائل الاقتصادية واللوجستية لمواجهة العقوبات، مع إبقاء الضغط العسكري والدبلوماسي قائمًا في الوقت نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى