الصين والفحم في الخارج.. 5 سنوات على تعهد شي تكشف تقدمًا وثغرات تهدد التحول الأخضر

بعد خمس سنوات من تعهد الرئيس الصيني شي جين بينغ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بوقف تمويل محطات الفحم الجديدة في الخارج، تظهر صورة مزدوجة للسياسة الصينية: إلغاء واسع لمشروعات الفحم التي كانت مخططة، بالتوازي مع استمرار استثمارات جديدة عبر قنوات وثغرات لا يغطيها التعهد بصورة كاملة.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة في وقت تتباطأ فيه جهود خفض استخدام الفحم عالميًا، بينما تواجه دول جنوب شرق آسيا ضغوطًا متزايدة لتأمين الطاقة، خصوصًا بعد صدمات الطاقة المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية والحرب مع إيران واضطراب إمدادات النفط والغاز.
تعهد شي.. نقطة تحول في تمويل الفحم
في عام 2021، أعلن شي جين بينغ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الصين ستدعم جهود الدول الأخرى للتحول إلى التنمية الخضراء ومنخفضة الكربون، وتعهد بأن بلاده لن تبني محطات طاقة تعمل بالفحم في الخارج ولن تمولها.
كان التعهد تحولًا مهمًا؛ إذ كانت الصين قبل ذلك أكبر ممول عالمي لمشروعات الفحم خارج حدودها، وكانت الشركات والمؤسسات الصينية تؤدي دورًا رئيسيًا في تمويل وتنفيذ مشروعات الطاقة في دول نامية بآسيا وأفريقيا.
وبحسب أسوشيتد برس، فإن هذا التعهد جاء في إطار محاولة بكين نقل سياستها المناخية إلى خارج حدودها، بالتزامن مع صعودها كقوة عالمية في تصنيع السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وتوربينات الرياح.
إلغاء 67% من مشروعات الفحم
وبعد خمس سنوات، تظهر البيانات أن التعهد حقق نتائج ملموسة، وإن لم يكن كاملًا.
فقد خلص تقرير مشترك لـمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA) ومنظمة People of Asia for Climate Solutions إلى أن الصين ألغت 67% من قدرة مشروعات الفحم التي كانت مخططة في الخارج عند إطلاق التعهد عام 2021.
ويعادل ذلك إلغاء نحو 61.5 جيجاوات من قدرات توليد الكهرباء التي كان يمكن أن تدخل الخدمة مستقبلًا.
ويقدر التقرير أن إلغاء هذه المشروعات سيجنب إطلاق نحو 6.4 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون طوال العمر التشغيلي المفترض لها، ما يمثل مكسبًا مهمًا لجهود الحد من الانبعاثات.
لكن التقرير نفسه يحذر من أن هذه النتائج لا تعني انتهاء توسع الفحم المرتبط بالصين في الخارج.
ثغرات تسمح باستمرار الاستثمارات
المشكلة الأساسية تكمن في صياغة التعهد وآليات تطبيقه.
فالتعهد ركز على تمويل وبناء محطات الفحم في الخارج، لكنه لم يمنع بصورة شاملة الشركات الصينية الخاصة من الاستثمار في مشروعات الفحم التي تمولها أو تطورها جهات تجارية.
وقالت أسوشيتد برس إن خبراء يرون أن الشركات الصينية تستفيد من ثغرات تنظيمية للاستمرار في بعض الاستثمارات الخارجية، خصوصًا في الدول التي لديها احتياجات ضخمة للطاقة.
ويشير تقرير CREA وPACS إلى أن 3.3 جيجاوات من قدرات الفحم المرتبطة بالصين دخلت مرحلة البناء خلال الفترة الأخيرة، بينما لا يزال 20.5 جيجاوات في مرحلة التخطيط من دون إلغاء رسمي. ويقدر التقرير أن هذه المشروعات تمثل معًا نحو 2.8 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المحتملة طوال عمرها التشغيلي.
وبذلك، فإن الجزء المتبقي من خط أنابيب مشروعات الفحم يمثل تحديًا مباشرًا أمام تحويل التعهد السياسي إلى سياسة ملزمة بصورة كاملة.
إندونيسيا.. نموذج للثغرة
تظهر إندونيسيا بوضوح في قلب هذه المعضلة.
فوفق التقرير الذي نقلته أسوشيتد برس، تستمر مشروعات فحم مرتبطة بشركات صينية لتوفير الكهرباء لمصانع صناعية محددة، خصوصًا مصانع معالجة النيكل والألومنيوم، من دون ربطها بشبكة الكهرباء الوطنية.
ويُعرف هذا النموذج باسم “الفحم المخصص” أو Captive Coal.
وتتصدر إندونيسيا الدول التي ما زالت لديها مشروعات فحم مرتبطة بالصين، بنحو 17.1 جيجاوات من القدرات المخططة، بينما تأتي فيتنام وباكستان في المركزين التاليين بفارق كبير، إذ تقل القدرات المتبقية في كل منهما عن 4 جيجاوات، بحسب تقرير CREA وPACS الذي أوردته AP.
وهنا تظهر المشكلة: يمكن أن تتراجع الاستثمارات في محطات الكهرباء المرتبطة بشبكات الدول، بينما تستمر مشروعات الفحم المرتبطة مباشرة بمصانع ومجمعات صناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.
أمن الطاقة يعيد الفحم إلى الواجهة
ولا يمكن فهم استمرار هذه المشروعات بعيدًا عن التحولات الجيوسياسية.
فجنوب شرق آسيا يشهد نموًا سريعًا في الطلب على الطاقة، وتعتمد دول المنطقة بدرجات مختلفة على واردات الوقود الأحفوري.
وتقول وكالة الطاقة الدولية إن جنوب شرق آسيا يمثل قرابة 20% من نمو الطلب العالمي على الطاقة حتى عام 2035، ما يجعل أمن الإمدادات عاملًا حاسمًا في قرارات الاستثمار والطاقة في المنطقة.
وجاءت الحرب مع إيران واضطراب حركة الطاقة عبر مضيق هرمز ليضيفا ضغطًا جديدًا على هذه الدول.
وبحسب AP، رفعت الفلبين وتايلاند وإندونيسيا وفيتنام استخدام الفحم خلال أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب، في الوقت الذي سرعت فيه بعض الدول الاستثمار في الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية والطاقة النووية بحثًا عن بدائل أكثر استقرارًا.
وهكذا، تعيد أزمات الطاقة إنتاج الحجة التقليدية لصالح الفحم: الحاجة إلى كهرباء متوفرة ومستقرة وسريعة التوسع.
الصين بين الفحم والطاقة النظيفة
المفارقة أن الصين نفسها تقف في موقع مزدوج داخل التحول العالمي للطاقة.
فهي أكبر مصدر سنوي لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا، لكنها في الوقت نفسه القوة الأكبر في تصنيع وتصدير عدد من تقنيات الطاقة النظيفة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تستهلك من الفحم كمية تفوق ما يستهلكه باقي العالم مجتمعًا بنحو 30%، بينما سجل استهلاك الفحم الصيني في 2025 استقرارًا شبه كامل مقارنة بالعام السابق. وفي المقابل، ساهم النمو السريع للطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية والنووية في انخفاض توليد الكهرباء من الفحم بنحو 1.5% خلال 2025.
لكن الصين واصلت أيضًا توسعة بنيتها التحتية المحلية للفحم، إذ وصلت عمليات تشغيل محطات الفحم الجديدة إلى قرابة 80 جيجاوات في 2025، بحسب وكالة الطاقة الدولية.
وهذا يعكس تعقيد التحول الصيني: التوسع الهائل في الطاقة النظيفة لا يعني التخلي السريع عن الفحم.
فرصة لتصدير الطاقة النظيفة
في المقابل، يرى خبراء أن تراجع الصين عن تمويل الفحم في الخارج يمكن أن يفتح مساحة أكبر أمام صادراتها من تقنيات الطاقة المتجددة.
فالصين تمتلك موقعًا مهيمنًا في تصنيع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية، وبالتالي فإن تحول تمويلها الخارجي من الفحم إلى الطاقة النظيفة يمكن أن يغير مزيج الطاقة في دول الجنوب العالمي.
ويرى لي شو، مدير مركز المناخ الصيني في Asia Society Policy Institute، أن التوسع السريع في الطاقة النظيفة داخل الصين وخارجها منذ إعلان وقف الفحم ينبغي أن يشجع بكين على إعطاء أولوية أكبر للطاقة المتجددة في استراتيجيتها الدولية.
لكن نجاح هذا التحول يتطلب أيضًا رغبة الدول المضيفة في الانتقال بعيدًا عن الفحم، وليس قرار الصين وحدها.
الخلاصة
تكشف السنوات الخمس التي مرت على تعهد شي جين بينغ أن الصين قطعت شوطًا كبيرًا في تقليص خطط الفحم الخارجية، لكنها لم تغلق الباب بالكامل أمام الاستثمارات المرتبطة بالفحم.
إلغاء 61.5 جيجاوات من المشروعات وتجنب مليارات الأطنان من الانبعاثات يمثل تقدمًا ملموسًا، لكن بقاء 20.5 جيجاوات قيد التخطيط ودخول 3.3 جيجاوات مرحلة البناء يكشفان حدود التعهد الحالي.
وتبدو إندونيسيا المثال الأوضح على التحدي، مع استمرار مشروعات الفحم المخصصة للصناعات الثقيلة، بينما تضغط احتياجات الطاقة المتزايدة في جنوب شرق آسيا على الحكومات للحفاظ على جميع الخيارات المتاحة.
لذلك، فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول ما إذا كانت الصين تمول محطة فحم جديدة، بل حول تعريف الاستثمار في الفحم نفسه، ومدى قدرة بكين على إغلاق الثغرات التي تسمح باستمرار المشروعات عبر الشركات الخاصة أو التطبيقات الصناعية المباشرة.
وفي المقابل، يظل التوسع الصيني في الطاقة الشمسية والرياح والسيارات الكهربائية فرصة يمكن أن تدفع التحول العالمي إلى الأمام، لكن تحقيق ذلك يتطلب توافقًا بين المصالح التجارية الصينية، واحتياجات الدول النامية، وأهداف خفض الانبعاثات، وأمن الطاقة العالمي.










