الفاشر منهوبة: حصار ومجازر وجوع تحت سيطرة قوات الدعم السريع

في قلب ولاية شمال دارفور بالسودان، يقبع مشهد إنساني مرعب في مدينة الفاشر، تحت سيطرة شبه كاملة لقوات الدعم السريع، منذ أواخر أكتوبر من العام الجاري. ما كان حصاراً عسكرياً طويل الأمد تحوّل إلى مجزرة تُروى من خلال مقاطع فيديو تداولتها الجماعات الحقوقية، ومخيمات نزوح غارقة في الجوع والمرض. تستمر المساعدات الإنسانية في التقطع، والخطر يتنامى لدرجة أن الأمم المتحدة صنّفت الوضع بأنه «على وشك الانهيار». في حين تُسجَّل مئات القتلى يومياً، ارتفعت أصوات الخبراء والمختصين لنداء عاجل: ما يجري في الفاشر ليس نوبة من العنف العسكري فحسب، وإنما تطهيرٌ عرقيٌّ ممنهجٌ وتجويعٌ مُقرّر. وهذا التقرير يعرض، من مصادر رسمية ووكالات موثوقة، تطورات الأزمة — من حصار المدينة، وانهيار الخدمات الصحية، إلى التداعيات الإنسانية العميقة، مع خريطة طريق ممكنة لوقف النزيف.
أولاً: سقوط المدينة وأحكام الحصار
بحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ضمن «تقرير حالة النزوح – الفاشر #2» ليوم 12 نوفمبر 2025، فإن مدينة الفاشر شهدت سيطرة كاملة تقريباً من قوات الدعم السريع، منذ 26 أكتوبر، بعد حصار دام أكثر من عام ونصف. الحصار تضمن إغلاقاً تاماً للطرق، بناء حاجز ترابي حول المدينة، ومنع إطلاق قوافل المساعدات.
الخسائر البشرية المرتبطة بهذا الانهيار كبيرة: وفقاً للمكتب الإعلامي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن مكتب النائب العام أعرب عن «قلق عميق» إزاء ما ورد من تقارير موثقة عن عمليات قتل جماعي وتعذيب داخل الفاشر.
التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن سقوط الفاشر أعاد ترسيم خريطة القوى في دارفور، إذ أصبحت المدينة آخر معقل للجيش السوداني تقريباً في الإقليم، ما يمنح قوات الدعم السريع نفوذاً متنامياً وجوّاً جديداً للعنف المنظم.
ثانياً: المجازر والانتهاكات الجسيمة
منذ السيطرة على المدينة، أفادت مصادر حقوقية متعددة بوقوع «مجازر منزلية» داخل الأحياء، واستهداف محدد للمجموعات العرقية غير العربية مثل الفُرّ، الزغاوة والبَرْتي. شاهد باحثو منظمة مراقبة حقوق الإنسان Human Rights Watch عبر الأقمار الصناعية تموُّت أشكال أجساد تتشكّل بحروف C وJ نتيجة سقوط الضحايا أثناء محاولة الهروب.
كما أكدت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تسجيل مئات الوقائع من القتل، العنف الجنسي، والتهجير القسري داخل المدينة وحولها.
من بين الحوادث البارزة: قصف مستشفى “المعمدانية السعودية” الذي كان أحد آخر المرافق العاملة، وأسفر عن مئات القتلى من المرضى والمرافقين.
ثالثاً: الأزمة الإنسانية – الجوع، النزوح، وانهيار النظام الصحي
أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأن مخيمات النزوح غرب الفاشر، وخصوصاً في منطقة تَويلا، أصبحت «تُسحق تحت ضغطٍ غذائي غير مسبوق»، مع ارتفاع معدلات سوء التغذية إلى مستويات وصفتها بـ «مدهشة».
تقرير الأمم المتحدة يشير إلى أن ما يزيد عن 260 ألف شخص محاصرون داخل الفاشر، في حين نزح عشرات الآلاف إلى مخيمات مكدّسة، لا تصلها المساعدات، ولا مياه شرب أو رعاية صحية كافية.
لقد انهار النظام الصحي تقريباً، فالمستشفيات إما دُمرت أو هجَرها الطاقم، والكثير من المرضى يموتون لغياب العلاج والتغذية. يُعد هذا من أخطر الأزمات الإنسانية في القرن الحالي.
رابعاً: التضامن الدولي والاستجابة – دعوات للمساءلة
دعت الأمم المتحدة، في جلسة طارئة لمجلس الأمن في نهاية أكتوبر 2025، إلى فتح ممرات إنسانية فورية، وإنهاء التدفقات غير المشروطة للأسلحة إلى دارفور.
كما أن محكمة الجنايات الدولية أصدرت بياناً اعتبارياً بوضع الفاشر تحت نطاق تحقيقاتها بشأن جرائم الحرب.
برغم ذلك، التمويل الدولي للمساعدات لا يزال دون المطلوب، مع معالجات دبلوماسية بطيئة، وأطراف مانحة تنتظر مؤشرات واضحة للاستخدام الآمن للمساعدات.
خامساً: السيناريوهات المحتملة والآفاق القادمة
إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن إحدى الفرضيات الرئيسية تتوقع انزلاق الفاشر إلى تقسيم فعلي بين سلطتين: حكومة مركزية في الخرطوم، وRSF تنفذ سلطتها في دارفور. هذا السيناريو قد يشبه نموذج ليبيا، لكنه أكثر دموية بسبب طبيعة الانتهاكات الحالية.
أما السيناريو الآخر الأكثر تفاؤلاً فيعتمد على تدخل دولي سريع، فتح ممرات المساعدات، وحوار سياسي يجمع الأطراف لإنهاء الحصار، وهو للأسف ما لم يظهر حتى الآن بوضوح.
ما يمكن تأكيده اليوم أن ما يجري في الفاشر لا يعد مجرد تجمُّد للنزاع، بل بداية فصل مرعب في تاريخ دارفور، والمشهد الذي يُكتب الآن سيكون معيارًا لمدى قدرة المجتمع الدولي والناجين المحليين على استنقاذ الأرواح قبل فوات الأوان.












