الشرق الأوسط

أنفاق رفح.. جبهة الصراع الخفية بين حماس وإسرائيل

رُغم كل التطورات على أرض الواقع في قطاع غزة، إلا أن قضية وجود مقاتلين من حركة حماس محاصرين في أنفاق بمدينة رفح جنوب القطاع تشهد شد وجذب وتحولًا لافتاً. وتتنوع المعالجات بين من يرون هذا الملف باعتباره قضية مستقلة عن الترتيبات الكبرى، وبين من يعتبرونه محاكاة أولية لاختبار آليات التعامل مع ترسانة الحركة في المراحل المقبلة، وبين من ينفِي وجود الربط المباشر بينها وبين سيناريوهات تقسيم القطاع. ويشير مختصون وأكاديميون إلى أن مكانة ملف السّلاح — سواء الهجومي أو الدفاعي — لا تزال في مرحلة غموض تأصيلي، إذ لا توجد حتى اليوم صيغة نهائية لمخرجاته، في سياق خلافات داخل إسرائيل وضغوط أمريكية تحاول منع انهيار مسار التهدئة.

ملف السّلاح لا يزال مفتوحاً
وفقًا لما جاء في تقرير مفصل بصحفية القدس الفلسطينية، يُشير الدكتور عبد المجيد سويلم إلى أن الربط بين مخططات تقسيم القطاع وأي تفاهمات تتعلق بخروج العناصر المحاصَرين أو ترتيبات أمنية مع حركة حماس، هو «طرح غير دقيق». ويؤكد أن ملف السّلاح — الذي يظهر ضمن سياق المرحلة الثانية لأي اتفاق — لم يُحسم حتى الآن، ولا توجد رؤية مَن المتعامل معه بعد، أو ما إذا كان المقصود سحب السلاح أو تجميعه أو تجريده.
ويضيف أن وضع التفاهمات النهائية سابق لأوانه، لأن أي استحقاق حول هذا الملف يحمل داخله قدرة عالية على تعطيل الاتفاق أو تأخيره، وهو ما تحاول واشنطن تفاديه.
وتُعزّز هذه الرؤية بيانات من مركز الدراسات الأمريكية التي تقول إنه «منذ بدء الهدنة، تدفع الولايات المتحدة إسرائيل للسماح بنحو 100-200 مقاتل من حماس محاصَرين في شبكة أنفاق برفح بمغادرة مشروطة».

الحسابات الأمريكية المركّبة
وحسب الصحيفة، ينظر سويلم إلى اندفاعة الإدارة الأمريكية نحو تسريع تنفيذ التفاهمات في ضوء حسابات معقّدة: أولها خشية أن يلجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تخريب تدريجي للاتفاق عبر ذرائع أمنية، مثل وجود مسلحين أو مباراة دفاع عن النفس؛ وثانيها مخاوف من شعور حماس بأنها تُستدرج إلى تفاهمات مجحفة أو مضلّلة، ما قد يدفعها إلى الانقلاب على المسار بأكمله.
ويشير إلى أن واشنطن لا تعمل وحدها بل تشاركها الضغوط أطراف إقليمية وأوروبية، مضيفاً أن ربط تهدئة غزة بتطورات في لبنان أو إيران يُمثّل خطراً استراتيجياً لواشنطن التي تسعى إلى تحييد القطاع سريعاً لمنع انزلاقاً أوسع للمنطقة.
وتدعم هذه القراءة تقارير تسلّط الضوء على دور تركيا ومصر وقطر إلى جانب الولايات المتحدة في الوساطة بشأن المقترحين المتعلّقين بالمقاتلين المحاصَرين.

أزمة المقاتلين في أنفاق رفح كمحاكاة أولية؟
وكما ورد بالصحيفة، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن أزمة المقاتلين العالقين في أنفاق رفح تشكّل محاكاة استباقية لقياس مدى نجاح تفكيك البنية العسكرية لحركة حماس ونزع أسلحتها، ضمن المرحلة الثانية لخطة أمريكية أكبر (مرتبطة برؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب).
حسب هديب، تشير تصريحات مستشار ترامب جاريد كوشنر والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى ضرورة السماح للمقاتلين بالانتقال إلى مناطق تحت سيطرة حماس أو إلى دول ثالثة، ما يعكس وجود تفاهم غير معلَن بين إسرائيل والحركة.
ويظهر هذا السيناريو في تقارير تقول إن إسرائيل وُضِعَت تحت ضغط أمريكي للسماح بخروج هؤلاء المقاتلين بشرط تسليم أسلحتهم.
هديب يضيف أن احتمال حل الأزمة ليس قريباً، لأن الطرفين – حماس وإسرائيل – يستفيدان من استمرارها كعامل ضغط لتمديد المرحلة الانتقالية من وقف إطلاق النار.

تفكيك الأسلحة: هجومية أم دفاعية؟
من جانبه، يشدّد الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي، محمد أبو علان دراغمة، وفقًا لصحيفة القدس الفلسطينية، على أن ما يُطرح حول حل الأزمة في أنفاق رفح لا يُعدّ نسخة من تفاهمات تفكيك سلاح حماس الشامل، موضحاً أنه في ذلك الترتيب يجري الحديث عن أسلحة هجومية وتلك الدفاعية، ويبدو أن الوسطاء يميلون للحفاظ على بعض الأسلحة ذات الطابع الدفاعي في يد الحركة، فيما سيركّز المسار التفاوضي على تفكيك الأسلحة الهجومية.
ويُبيّن أن القرار النهائي لا يُتخذ بمفرد إسرائيل، بل بمشاركة أمريكية–إسرائيلية–وسطائية؛ وأن أي حل ينطوي على تقسيم القطاع أو وجود دائم لقوات احتلال داخله سيكون مرفوضاً لدى حماس.
تدعم هذه المقاربة تقارير تقول إن إسرائيل ما زالت تُناقش خروجاً مشروطاً للعناصر المحاصَرين، لكن ليس هناك اتفاق نهائي بشأن ترحيلهم أو تسليم السلاح بشكل كلي.

قضيتان منفصلتان.. رغم محاولات الربط
وفي سياق متصل، يُبرز أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، الدكتور سعد نمر، أن قضية المقاتلين ­العالقين في أنفاق رفح وقضية تسليم سلاح حماس في غزة هما قضيتان منفصلتان، رغم محاولات الربط بينهما من قبل الجانب الأميركي والإسرائيلي. حسب تقرير الصحيفة الفلسطينية.
ويشرح بأن الولايات المتحدة معنيّة بحل الأولى سريعاً كي لا تُعطّل مسار وقف إطلاق النار، فيما القضية الأوسع – تسليم سلاح حماس – تتطلب ترتيبات أكثر تطوراً من حيث القانون والسياسة.
ويشير إلى أن التسوية المرجحة تتمثل في أن يعود المقاتلون إلى مناطق سيطرة الحركة غرب القطاع، لكن تفاصيل مرورهم وتسليم سلاحهم لم تُعلن بعد. هذا ما تتماشى معه تقارير دولية تشير إلى أن الوساطة تضع خروجهم تحت ضوابط ومراقبة.

رفح: اختبار ميداني لقدرة الأطراف على التحول من القتال إلى التفاوض
يرى الكاتب والباحث، محمد جودة، وفق للصحيفة، أن ما يجري في رفح يتجاوز كونه مواجهة عسكرية، ليصبح محاكاة ميدانية مبكرة لكيفية تعامل الأطراف مع سلاح حماس في مرحلة ما بعد الحرب—عبر إدارة تفاوضية وتدريجية أكثر من حسم عسكري شامل.
يشير جودة إلى أن ملف الأنفاق في رفح يشكّل عنصر المحورية في هذه المرحلة، باعتباره أحد أهم مصادر قوة حماس، والمراقبون يرون فيه اختباراً لقدرة الأطراف على تحويل هذا المصدر إلى ملف تفاوضي، وليس مجرد تدمير ميداني.
ويدلل على ذلك التقارير الإسرائيلية التي تؤكد استمرار تدمير أنفاق رفح ومحيطها.

الأفق: تقسيم القطاع أم إدارة متعددة؟
وأخيراً، يشير الباحث ياسر مناع إلى أن ملف المقاتلين في أنفاق رفح يُدار عبر تفاهمات خلفية، ويحمل أبعاداً تتجاوز الميدان إلى اختبار لآليات أكبر خلال أي ترتيبات لاحقة مع حماس.
ويضع ثلاثة سيناريوهات محتملة لهذا الملف:

  • خروج المقاتلين من الأنفاق بتفاهمات دون إعلان.
  • السماح بخروجهم بعد تسليم أسلحتهم ضمن ترتيبات ميدانية.
  • ترحيلهم إلى دولة ثالثة—وهو أقلّ احتمالاً بسبب التعقيدات اللوجستية والسياسية.
    فيما يتعلق بطرح تقسيم غزة، يرى مناع أنه مرتبط مباشرة بإمكانية تثبيت وتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي مرحلة لا تزال محفوفة بالتعقيدات.
    ووفقاً لمحللين دوليين، فإن نجاح أي تفاهم أو تسوية ميدانية يعتمد على قدرة الوسطاء، وفي مقدمتهم واشنطن، على ضبط التنفيذ فعلياً وليس كلاماً فقط.

في ضوء ما سبق، يتضح أن أزمة المقاتلين المحاصَرين في أنفاق رفح لا يمكن اختزالها في قضية عسكرية بحتة، بل تمثل اختباراً متعدد الأبعاد: ميداني، تفاوضي، وسياسي. كما أنها تعكس مدى تعقيد العلاقة بين المعادلتين: تسوية فورية جزئية (خروج المقاتلين) وتسوية شاملة طويلة (تسليم سلاح حماس وإعادة بناء القطاع).
والسؤال المحوري يبقى: هل ستتمكن الأطراف من تحويل هذا الاختبار إلى مدخَل فعلي للمرحلة التالية، أو سيبقى عنواناً لتأجيل القرار الأهم؟
إن متابعة هذا الملف بكل تفاصيله قد تكشف كثيراً عن شكل ما بعد الحرب في غزة، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين في رسمه وتثبيته.

المصادر:

https://alquds.com/ar/posts/207788?fbclid=IwY2xjawOCaNVleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEeTfuUIqnx47ixonnqsBhq-aMzVu9pmqej1zF4-cONTes6HRo9ALNlAfD9ahc_aem_RvtZXk2ahYZnTzpGXmMEqQ

https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/israeli-palestinian-conflict?utm_source=chatgpt.com

https://www.dailysabah.com/politics/diplomacy/turkiye-helping-in-talks-over-safe-exit-for-hamas-fighters-in-gaza?utm_source=chatgpt.com

https://www.newarab.com/news/mediators-trying-find-way-out-trapped-hamas-fighters?utm_source=chatgpt.com

https://www.aa.com.tr/en/middle-east/israel-us-reach-deal-to-exile-200-hamas-fighters-trapped-in-rafah-report/3741281?utm_source=chatgpt.com

https://www.timesofisrael.com/kushner-netanyahu-still-seeking-solution-to-impasse-on-terrorists-in-rafah-tunnels/?utm_source=chatgpt.com

https://www.aljazeera.com/news/liveblog/2025/11/13/live-israel-attacks-gazas-south-north-during-repeatedly-violated-truce?utm_source=chatgpt.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى