الشرق الأوسطرئيسي

لماذا تظل هدنة غزة هشة وتتصاعد معاناة المدنيين؟

محمد حسين

تعيش غزة اليوم حالة هشّة من التهدئة الشكلية التي تكتنفها خروقات متكررة وسياسات أمنية وإنسانية مركّبة تقود إلى تصاعد المعاناة اليومية للمدنيين. بعد هدنة توصلت إليها أطراف إقليمية ودولية، تواصلت الضربات والاشتباكات المحدودة التي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، في حين تعثرت آليات إيصال المساعدات ووقعت حوادث عنف ونهب طالت قوافل إغاثية ومراكز توزيع. تتقاطع هنا معطيات ميدانية موجعة (قتلى وجرحى ونقص حاد في الخدمات) مع تريّث دبلوماسي في فرض آليات حماية فعّالة، ما يضع المجتمع المدني والهيئات الإنسانية أمام معادلات صعبة: حماية السكان، وتوسيع ممرات المساعدة، وتحقيق مساءلة عن الانتهاكات.

الواقع الميداني الآن: استمرار الخروقات رغم الهدنة:
الوقائع على الأرض تُظهر أن ما وصفته أطراف دولية بأنه «هدنة هشة» لم يرتقِ إلى وقف نزيف الخسائر البشرية. سجّلت مستشفيات غزة، اليوم السبت، حالات قتلى وجرحى نتيجة هجمات جوية ومدفعية، من بينها وفاة طفلين في بني سهيلا بعدما استهدفتهما نيران إدارية خلال وجودهما قرب مأوى داخلي. هذه الحوادث تتكرر بشكل دوري وتبرز الفجوة بين نصوص اتفاقات التهدئة وواقع التنفيذ العملي. كما ذكرت وكالة أسوشييتد برس الأمريكية.

انهيار آليات الإغاثة: النهب وتأمين الممرات الإنسانية:
أما في صحيفة الغارديان البريطانية، فعلى صعيد الإغاثة، تشهد الساحة تقارير متداخلة عن عمليات عنف ونهب استهدفت قوافل ومخازن مساعدات، مع مزاعم (وكذلك إنكارات) حول وجود استغلال أمني أو تساهل أتاح لهذه الأعمال أن تحدث. باحثون وكتاب دوليون كشفوا أن هناك «أدلة مقنعة» على تورّط عناصر وإجراءات ميدانية ساهمت في تمكين نهب بعض الإمدادات، ما وضع منظمات الإغاثة في مأزق عملي وأخلاقي حول كيفية ضمان التسليم الآمن والحيادي للمساعدات. هذا الواقع يفاقم شح الموارد ويقوّض ثقة السكان والجهات المانحة.

الصورة الإنسانية: أرقام وضحايا ومخاطر صحية:
تقارير مؤسسات صحية وأطباء في المشافي الميدانية تشير إلى أرقام كبيرة من النازحين وارتفاع معدلات نقص الغذاء والدواء، بما في ذلك حالات مرضية مرتبطة بسوء التغذية والأمراض المعدية. كما تسجّل منظمات حقوقية وشهود حالات عنف جنسي واغتصاب، وهي اتهامات تزيد هشاشة الواقع الإنساني وتستدعي تحقيقات مستقلة ومحاسبة. تقارير حقوقية سابقة وصادرة عن منظمات دولية ربطت بين سياسات التهجير القسري وخرق قواعد الحماية المدنية. حسبما أورد موقع هيومن رايتس ووتش – مراقبة حقوق الإنسان.

البعد القانوني ونداءات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية:
مكتب مفوّضي حقوق الإنسان ومنظمات الأمم المتحدة كرّرتا مناشدتهما للضغط الدولي لضمان احترام البنود الإنسانية للتهدئة وفتح ممرات آمنة، وحذّرتا من أن استمرار الهجمات والانتهاكات يرقى إلى خروقات جسيمة لاتفاقات وقف الأعمال القتالية. خبراء أمميون دعوا الدول للاضطلاع بدور فاعل لفرض آليات مراقبة مستقلة وتأمين ممرات آمنة للمساعدات. أي غياب لمحاسبة فاعلة قد يعزّز مناخ الإفلات من العقاب ويؤدي إلى مزيد من التدهور. كما أفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في موقعها الرسمي.

لماذا تظل الهدنة هشة؟
وبررت منظمة هيومن رايتس ووتش في موقعها، أن ثمة أسباب سياسية وأمنية تُفسّر هشاشة التهدئة: أولاً، اختلاف أهداف الأطراف الإقليمية والدولية بشأن شكل الحلّ الدائم (تثبيت هدنة مؤقتة أم مسار سياسي طويل الأمد). ثانياً، ضعف آليات الضمان والإنفاذ: غياب قوة حفظ سلام دولية قادرة على فصل المتحاربين أو وجود تفويض رقابي مُلزِم. ثالثاً، شبكة فاعلين محليين — تنظيمات مسلحة محلية، عصابات إجرامية، سلطات غير حكومية — تعقّد المشهد التشغيلِي لما بعد الاشتباك العسكري، وتحوّل الإغاثة لساحة نزاع سياسية واقتصادية. هذه العوامل تجعل أي اتفاق عرضة للانتهاك ما لم يُترجَم إلى إجراءات تنفيذية ملموسة.

خطوط التحليل المتباينة:
بعض الكتاب الغربيين يؤكدون أن مأزق الإغاثة ناجم عن «فشل استراتيجي» في تصميم آليات التوريد والحماية داخلياً وخارجياً، مع دعوات لإعادة تصميم سلاسل التوريد لتقليل نقاط الاختراق. حسب صحيفة الغارديان البريطانية.
صحفيون ميدانيون وصفوا المشهد بأنه «انتقال من حرب تقليدية إلى حرب استنزاف إنساني» حيث تُصبح البنى التحتية والخدمات المدنية هدفاً أسهل من المواجهات المسلحة المباشرة. وفقًا لموقع palestinechronicle.
محللون استراتيجيون يربطون بين شرائح الحل الأمني والسياسي، معتبرين أن أي حلّ مستدام يتطلب إشراك فصائل محلية وضمانات إقليمية (مصر، قطر، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي) لفرض آليات حماية ومراقبة فعّالة. كما جاء في موقع palestinechronicle.

تبعات إقليمية ودولية: لماذا تهم العالم؟
حسب رويترز، فإن التصعيد المتواصل والانتهاكات المتكررة في غزة لا تبقى محلية فقط؛ فهي تولد تداعيات إقليمية (تدهور الأوضاع في الضفة واللبنان وسوريا) وتفاقم أزمات اللاجئين والوضع الأمني للمنطقة، كما تؤثر على مسارات التعاون الدولي في تمويل إعادة الإعمار وحجم الالتزام السياسي بخريطة طريق مقبلة. دول كبرى تعمل على صيغ سياسية لإدارة ما بعد الحرب (مقترحات لسلطة انتقالية أو قوة استقرار)، لكن غياب توافق دولي-إقليمي يُبطئ تحقيق حلول ملموسة.

في النهابة، فإن التحول من «وقف إطلاق نار» شكلي إلى حماية فعّالة يتطلب ثلاثة عناصر متزامنة: إرادة سياسية دولية وإقليمية حقيقية، آليات إنفاذ ومراقبة قابلة للتطبيق على الأرض، وبرامج إنسانية مُصمّمة لتجاوز نقاط الضعف الحالية. غياب أي من هذه العناصر يعني استمرار المعاناة وتحوّل غزة إلى ساحة صراعات مؤسسية ومنافسات على تقديم «الحماية» بدل أن تكون حمايةً حقًا للمواطنين. على المجتمع الدولي أن يختار بين إجراءات ملموسة الآن أو دفع ثمن إنساني وسياسي باهظ لاحقًا.

المصادر:

https://apnews.com/article/a83bba11bc506771aa7233326ab97e42?utm_source=chatgpt.com

https://www.reuters.com/world/middle-east/israeli-attack-kills-two-children-gaza-medics-say-2025-11-29/?utm_source=chatgpt.com

https://www.theguardian.com/world/2025/nov/29/convincing-evidence-israel-backed-aid-convoy-looters-in-gaza-historian-says?utm_source=chatgpt.com

https://www.hrw.org/report/2025/11/20/all-my-dreams-have-been-erased/israels-forced-displacement-of-palestinians-in-the?utm_source=chatgpt.com

https://www.ohchr.org/en/press-releases/2025/11/un-experts-urge-states-act-israeli-violations-threaten-fragile-gaza?utm_source=chatgpt.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى