خطة السلام الأميركية لأوكرانيا: تنازلات صعبة وصراع على النفوذ
محمد حسين
تثير الخطة الأميركية من 28 نقطة لسلام محتمل في أوكرانيا، التي طرحتها إدارة ترامب مؤخرًا، جدلاً دوليًا واسعًا بين من يعتبرها مقاربة واقعية لإنهاء الصراع، وبين من يراها استسلامًا استراتيجيًا لمطالب موسكو. يعكس هذا المقترح، الذي يطالب كييف بالتنازل عن مساحات كبيرة من الأراضي، وتقليص حجم جيشها، والتخلي عن طموح الانضمام إلى حلف الناتو مقابل ضمانات أمنية وإعادة إعمار اقتصادي، نقاشًا حادًا بين القوى الغربية التي تدعم أوكرانيا وبين واشنطن التي يبدو أنها تلعب ورقة “السلام بالصفقة”. ويُعد هذا العرض اختبارًا لدور أوروبا كمحدث توازن في الأزمة، ولقدرة أوكرانيا على الحفاظ على سيادتها في ضوء الضغوط الكبيرة.
صفقة أميركية بُعدها الربحي يتجاوز سلام أوكرانيا
يرى مركز “مرصد الفكر الاستراتيجي” أن الخطة الأميركية المكونة من 28 نقطة ليست اقتراحًا مجردًا لوقف النار، بل تمثل نموذجًا عمليًّا لـ “سلام الصفقات” براغماتي بقيادة إدارة ترامب، حيث تُوظّف أوكرانيا لتكون منصة استراتيجية لمصالح واشنطن بدلاً من كونها طرفًا محايدًا أو ضحية فقط. وفقًا لهذا التحليل، تستهدف الخطة مقايضة بعض الأراضي الأوكرانية وضغط عسكري “متواضع” على كييف مقابل انتزاع مكاسب اقتصادية وأمنية كبيرة للولايات المتحدة، وهو ما يعكس نية أمريكية في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي بطريقة تخدم أولوياتها.
من وجهة نظر “المرصد”، هذا التوجه الأميركي لا يقتصر على نشر السلام، بل يتجاوز ذلك إلى استثمار بتحويل النزاع إلى أداة لتحقيق نفوذ اقتصادي ودبلوماسي طويل الأمد. فبدلًا من ضمانات دفاعية واضحة ومستقلة لصالح أوكرانيا، تقترح الخطة ما يشبه “مكاسب مربوطة” تمنح واشنطن دورًا مركزياً في مراقبة تنفيذ التفاهمات، خاصة من خلال الهيكلة المقترحة لإدارة الأصول الروسية المجمدة، واستثمارات ضخمة تُدار وفق مصالح الولايات المتحدة أولاً.
هذا التحليل يثير تساؤلات استراتيجية حول ما إذا كانت أوكرانيا تدفع ثمن “إعادة إعمار” بقدر ما تدفع ثمن إعادة ترتيب جيوسياسي يخدم أهدافًا أميركية أوسع، بدلًا من منح كييف حلًا طويل الأمد سياديًا وآمنًا.
تنازلات صعبة وأمان غامض يثير المخاوف
تكشف النسخة المسربة من الخطة الأميركية‑الروسية المؤلفة من 28 نقطة عن تنازلات كبيرة على أوكرانيا، تشمل التنازل عن منطقتي دونباس، وتحديد حجم الجيش الأوكراني إلى نحو 600 ألف جندي فقط، فضلاً عن اعتراف ضمني بالسيطرة الروسية على مناطق مثل دونيتسك ولوغانسك.
كما تتضمن الخطة ما يُسمّى بـ “ضمانات أمنية” من الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها تثير القلق بين المحللين العسكريين والسياسيين، لأنها لا تصل إلى مستوى الحماية الكاملة التي يوفرها الحلف الأطلسي وفق المادة الخامسة، والتي تُلزم الحلفاء بالدفاع الجماعي.
إضافة إلى ذلك، تقترح الوثيقة استثمار نحو 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة في إعادة إعمار أوكرانيا، لكن إدارة هذه الأموال ستكون تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة، ما يعطي واشنطن دورًا محوريًا في التحكم بالمساعدات الاقتصادية والتأثير على السياسة الداخلية لأوكرانيا.
ويحذر خبراء استراتيجيون من أن هذه البنود قد تحول السلام المتوقع إلى صفقة تكتيكية، تمنح روسيا مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، بينما تضع أوكرانيا أمام تحديات سيادية خطيرة، تجعلها تعتمد على ضمانات غير واضحة وتشرف عليها قوى خارجية بشكل مباشر.
أوكرانيا ترفض المساس بسيادتها
وصف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الخيارات المطروحة أمام بلاده في ضوء الخطة الأميركية‑الروسية بأنها “خيار صعب جدًا”، موضحًا أن أوكرانيا تواجه إما فقدان جزء من كرامتها الوطنية أو خطر تراجع الدعم الأميركي الحيوي لها. حسبما جاء في وكالة أسوشييتد برس.
وعلى الرغم من الضغوط الدولية والأميركية، أكد “زيلينسكي” استعداده لـ “العمل بصدق” مع واشنطن لمناقشة تفاصيل الخطة، مشددًا على رفض أي بنود قد تمس سيادة بلاده أو تضعف موقفها الدفاعي.
وفي تصريح واضح يعكس الموازنة بين دعم القوى الكبرى والمصلحة الوطنية، قال “زيلينسكي”: “ندرك أن قوة أمريكا ودعمها يمكن أن تقربنا فعلياً من السلام، … لكننا لن نخون مصلحة أوكرانيا.”
هذا الموقف يوضح التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه كييف، حيث يسعى القادة الأوكرانيون للحفاظ على استقلال القرار الوطني، في الوقت الذي تُمارس فيه ضغوط كبيرة لقبول مقترحات قد تبدو مفيدة اقتصاديًا لكنها تحمل تبعات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
قلق أوروبي من التهميش والفرض الأحادي
أعرب قادة أوروبا، من دول، مثل: ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، عن رفضهم للطريقة الأحادية التي تمّ بها صياغة الخطة الأميركية‑الروسية للسلام في أوكرانيا، مؤكدين أن أي اتفاق نهائي يجب أن يشرك الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بشكل كامل.
وبحسب بيان مشترك نقلته صحيفة “فايننشال تايمز”، فقد شدد القادة الأوروبيون على أن: “نعتقد أن المسودة تمثل أساسًا يلزم العمل الإضافي، ويجب أن تُنفذ البنود المتعلقة بالاتحاد الأوروبي والناتو بموافقة الأعضاء المعنيين.”
وتعكس هذه التصريحات مخاوف الأوروبيين من فرض خطة من جانب واحد قد تُهمّش مصالحهم الأمنية، وتؤثر على توازن القوى في المنطقة، خصوصًا في ظل الدور الحيوي الذي يلعبه الناتو في حماية دول القارة الأوروبية من أي تهديد محتمل.
صدى روسي وتحذيرات استراتيجية
رحّب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بالخطة الأميركية‑الروسية، معتبراً أنها “قد تشكل أساسًا لاتفاق سلام نهائي”، ما يعكس استعداد موسكو للتفاوض على بنودها بما يخدم مصالحها الإقليمية والدولية.
لكن الخبراء الاستراتيجيين يحذّرون من أن دمج روسيا اقتصاديًا عبر هذه الخطة قد يمنحها نفوذًا كبيرًا في النظام الدولي، بينما تظل إدارة الأصول الروسية المجمدة والمساعدات الاقتصادية تحت إشراف الولايات المتحدة، مما يعني أن واشنطن قد تستفيد أولًا قبل موسكو.
وترى بعض مراكز الفكر الاستراتيجي أن المقترح يعكس ما يمكن تسميته بـ “سلام الصفقة”، حيث تستخدم الولايات المتحدة خطة السلام لتحقيق مكاسب جيوسياسية واسعة على حساب أوكرانيا، وليس فقط لوقف النزاع، ما قد يحوّل الخطة من حل عادل ومتوازن إلى أداة لضمان التفوق الأميركي في المنطقة.
في النهاية، تمثّل خطة السلام الأميركية المؤلفة من 28 نقطة ضغطًا استراتيجيًا كبيرًا على أوكرانيا، وتطرح خيارًا يهدد سيادتها مقابل دعم اقتصادي وأمني. في الوقت ذاته، يرفض الأوروبيون فرض الخطة دون مشاركتهم، معتبرين أن مستقبل أمنهم مرتبط بتنفيذ العمولات المتعلقة بالاتحاد الأوروبي والناتو. ومن جهة روسية، قد يكون هناك مكاسب اقتصادية وسياسية مهمة إذا نجحت هذه الخطة. إذا لم يتم تعديلها لتأخذ في الاعتبار مخاوف كييف وحلفائها الغربيين، فإن القبول بها قد لا يكون نهاية للصراع بل بداية إعادة ترتيب أوسع للموازين في أوروبا.
المصادر:












