الشرق الأوسطرئيسي

شهادة حية لصحفية سودانية بـ”الجارديان”: حرب السودان سباق والإمارات كلمة السر

محمد حسين

من خلال شهادتها الحية، ننقل لكم ما كتبته الصحفية السودانية، نسرين مالك، التي تعمل بصحيفة “الجارديان” البريطانية، حيث كتبت عما آلت إليه الأوضاع السياسية في بلدها الأم، السودان. فهي التي تعرضت عائلتها إلى السلب والنهب من قبل قوات الدعم السريع، وقد بدأت مقالها بـ”في كل مكان أذهب إليه تقريبًا، يُسأل الناس عن السودان. تأتي الأسئلة بدافع القلق على العائلة وبلدي الأم، وأيضًا من رغبة حقيقية في فهم كيف تحوّل الصراع هناك إلى شيء بهذا القدر من العنف والانفلات. في هذا الأسبوع، أشرح ما يحدث في البلاد، ولماذا وصل التصعيد إلى هذه الدرجة الكارثية.”
وأشارت إلى أن: “الإجابة الأولى التي أقدمها دائمًا عند سؤالي عن رأيي في الحرب هي ذاتها: ما زلت غير مصدّقة أنها تحدث. بعد ثلاث سنوات على اندلاعها، ما زال هناك شعور بالذهول من انهيار السودان بهذه السرعة. ربما هكذا يشعر الجميع حين تسقط بلدانهم فجأة في دوامة الحرب. بالنسبة للعالم الخارجي، الحرب مجرد قصة، عنوان، حدث سياسي — وربما، خصوصًا في أفريقيا، ليست أمرًا غريبًا أو غير متوقع. لكنها ليست قدرًا طبيعيًا لأي شعب، وكل يوم فيها قاسٍ ومحير تمامًا مثل الذي سبقه.”

تاريخان للحرب
قالت الصحفية نسرين مالك: “هناك تاريخان لحرب السودان: تاريخ طويل، وآخر قصير. التاريخ الطويل هو تاريخ بلد احتكرت فيه قلة قليلة السلطة السياسية والاقتصادية. مناطق مثل دارفور عانت تاريخيًا من التهميش والإهمال. واجهت المنطقة منافسة على الموارد وصراعًا عرقيًا بين المجموعات العربية والأفريقية لعقود، وتعرّض سكانها غير العرب للإبادة في أوائل الألفية على يد ميليشيات عربية هي الجنجويد، وذلك بدعم وتفويض من الحكومة المركزية.”، مضيفة: “النتيجة أنه رغم بقاء السودان موحدًا ظاهريًا، استمرت نزاعات محلية عنيفة لعقود، مما أدى إلى صعود جماعات مسلحة قوية. وأبرز إرث لتلك المرحلة هو قوات الدعم السريع، التي تشكّلت رسميًا من جماعات مسلحة، وأصبحت الآن في حرب مفتوحة مع القوات المسلحة السودانية.”

ثورة مخربة
وأكملت: “أما التاريخ القصير فبدأ مع ثورة السودان الشعبية عام 2019، والتي أدت إلى الإطاحة بالرئيس عمر البشير بعد نحو 30 عامًا في الحكم. كانت للثورة مطلبان واضحان: إسقاط الدكتاتور، وإخراج الجيش نهائيًا من الحكم، وهو الجيش الذي جاء منه البشير حين نفّذ انقلاب 1989. بعد الثورة، اتضح أن قوات الدعم السريع — التي شاركت نظام البشير في قمع التمرد في دارفور — باتت تمتلك نفوذًا كبيرًا. وبعد سقوط البشير، دخلت قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية في اتفاق لتقاسم السلطة مع المدنيين كمرحلة انتقالية نحو حكم مدني.
لكن الاتفاق لم يعش طويلًا. إذ انقلب الطرفان على المدنيين، ثم انقلبا على بعضهما البعض. واتضح أن السودان لم يكن يتسع لجناحين مسلحين في الوقت نفسه.”

الإمارات كلمة السر في حرب السودان
أوضحت “مالك”، أنه: “غالبًا ما توصف حرب السودان بأنها حرب أهلية. لكن لا وجود لعنصر مدني فيها: المدنيون لم يحملوا السلاح ضد بعضهم، لكن حياتهم أصبحت الثمن المباشر لصراع القوة بين الطرفين. كما تُسمى أحيانًا “الحرب المنسية”، لكن هذا الوصف يتجاهل حقيقة أن طول الحرب، وحدّة العنف، والتغطية المستمرة لا تترك مجالًا للشك بأنها ليست منسية، بل مُتجاهَلة. خطة الأمم المتحدة الإنسانية للسودان تعاني نقصًا حادًا في التمويل، بينما قلّصت إدارة ترامب المساعدات الإنسانية وخفّضت انخراط الولايات المتحدة في أفريقيا، مما أدى إلى ضرب السودان بشدة. رغم ذلك، تستمر الجهود الشجاعة للمحاسبة والتوثيق، وكذلك حملات السودانيين في الداخل والمهجر لرفع الوعي وجمع التمويل.
وستسمع أيضًا من يصفها بأنها “حرب بالوكالة”، ما يوحي بأن أطرافًا خارجية تدعم طرفين متساويين. لكن الواقع أن الفاعل الخارجي الأكبر هو دولة الإمارات العربية المتحدة، التي ضخت الأموال والسلاح في صفوف قوات الدعم السريع، رغم إنكارها المستمر. بالنسبة للإمارات، فإن السيطرة على النفوذ في السودان — بلد غني بالذهب وخصب استراتيجيًا — يمثل توسعًا اقتصاديًا وسياسيًا ضخمًا.”، مؤكدة: “أما حقيقة الحرب، فهي: معركة وجودية بين الحرس القديم — الجيش السوداني وحلفاؤه ومصالحه — وبين ميليشيا جديدة راكمت نفوذًا هائلًا خارج سلطة الدولة، وتسعى الآن لانتزاعها.”

التكلفة المفجعة.. المواطن من يدفع الثمن
وبررت الصحفية أنه من الصعب معرفة من أين نبدأ، موضحة: “الأرقام — ملايين النازحين، مئات الآلاف من القتلى والمفقودين، العنف الجنسي، المجاعة، والانهيار الإنساني — لا يمكنها أن تصف حجم المأساة الفردية وتأثيرها الممتد. قصة أسرتي مثال صغير: منزلنا في الخرطوم استولت عليه قوات الدعم السريع، نُهب بالكامل ثم تُرك مُدمّرًا، بعد أن حفرت جدرانه وأرضياته لاقتلاع الأنابيب والأسلاك. هناك ملايين المسنّين المشتتين في السودان والمنطقة، يقضون أيامهم الأخيرة في فقر مؤلم ومنفى قاسٍ.:
واستكملت: “وفي دارفور، تجري عمليات قتل ممنهجة للسكان الأفارقة على يد قوات الدعم السريع، مما أعاد فتح جراح الإبادة السابقة. مدينة الفاشر، آخر وأكبر معاقل الجيش في دارفور، سقطت الشهر الماضي بعد حصار دام عامًا ونصف العام، وما زالت تقارير الإعدامات الجماعية التي غمرت الأرض دمًا تتوالى. بعد سقوط الفاشر، أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على غرب البلاد، بينما بقيت بقية المناطق تحت سيطرة الجيش. ولا يبدو أن أيًا من الطرفين قادر على حسم الحرب، كما لا تبدو القوى الغربية مستعدة للضغط الفعّال على داعمي الطرفين — خصوصًا الإمارات — أو للتدخل لوقف الطرفين المتقاتلين.”

مستقبل لا يمكن تصوّره
واختتمت الصحفية شهادتها، متعجبة، وقائلت: “من غرائب الحروب أيضًا أنها تجعل من الصعب تخيّل مستقبل يختلف عن الماضي القريب. ما زال جزء مني يؤمن بإمكانية “إعادة العفريت إلى القمقم”: العودة إلى وطن يمكن أن نلملم فيه الجراح ونصالح بعضنا. لكنني أعرف — وأرفض أن أعرف — أن هذا غير واقعي. وحتى ذلك الحين، لا يوجد إلا الأمل: أملٌ بأن هذا لن يستمر إلى الأبد، وبأن العالم حين يفهم حقيقة ما يجري في السودان، سيتحوّل من مجرد عنوان مُحزن إلى قضية ملحّة لا يمكن احتمال تجاهلها.”

المصدر:

https://www.theguardian.com/news/2025/nov/19/an-existential-battle-of-interests-what-the-sudanese-war-is-actually-about

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى