الشرق الأوسطرئيسي

بين الفيتو والرفض المحلي: تحديات التصويت على مستقبل غزة في اللحظة الحاسمة بمجلس الأمن

محمد حسين

اليوم، يشهد مجلس الأمن الدولي لحظة حاسمة بشأن مستقبل غزة وما بعد الحرب، إذ يُصوَّت على مسودة قرار أمريكية تدعو لتفويض مؤقت لـ “قوة الاستقرار الدولية” تعمل على تأمين المساعدات وإعادة الإعمار، بالإضافة إلى مجلس إدارة مؤقت للتعافي المدني. أقوى ما يثير الجدل هو تضمين النص إشارة إلى “مسار محتمل لإقامة دولة فلسطينية”، وهو ما اعتُبر تنازلاً تاريخياً لإرضاء بعض الدول العربية، لكنه أثار رفضاً إسرائيلياً وقلقاً دولياً.
من جهة أخرى، ترفض فصائل فلسطينية، ومنها حركة حماس، أي وجود لقوة أجنبية داخل غزة، معتبرةً ذلك وصاية مرفوضة. وفي الوقت نفسه، تبدي بعض الدول العربية تحفظات على الصيغة القانونية للمسودة، وتربط دعمها بضمان سيادة فلسطينية واضحة. تعقيدات هذا التصويت لا تقتصر على التوازنات الإقليمية فحسب، وإنما تشمل أيضاً احتمال استخدام فيتو من أحد أعضاء المجلس الدائم، ما يجعل جلسة اليوم محطة بارزة قد تُعيد تشكيل المشهد السياسي والأمني في غزة.

ماذا ينصّ المقترح بالضبط؟
بحسب ما تداولته وكالات دولية ووثائق غير رسمية اطّلع عليها دبلوماسيون، تتضمن المسودة الأمريكية المطروحة أمام مجلس الأمن تصورًا شاملاً لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: قوة دولية مؤقتة، وإدارة انتقالية فلسطينية، ومسار سياسي مشروط:

  • المقترح ينصّ على إنشاء قوة الاستقرار الدولية بولاية تمتد لعامين قابلة للتمديد، على أن تُكلَّف هذه القوة بتأمين وصول المساعدات، وحماية المدنيين، ومراقبة المعابر، وتوفير بيئة مستقرة لبدء جهود الإعمار. وتشير التسريبات إلى أن الولايات المتحدة تسعى لشرعنة القوة عبر تفويض مباشر من مجلس الأمن، وهو مطلب تكرر من الدول المرشحة للمشاركة في القوة لضمان غطاء قانوني واضح.
  • تنص المسودة أيضًا – حسب وسائل الإعلام – على أن القوة الأممية ستكون مخوّلة بالإشراف على عملية نزع سلاح الفصائل غير الحكومية، بما يشمل التفكيك الدائم للأسلحة إذا اقتضت الحاجة. كما تقترح العمل بالتنسيق مع شرطة فلسطينية تُعاد هيكلتها وتُدرَّب على يد أطراف دولية.
  • المسودة تدعو إلى إنشاء مجلس إدارة مؤقت تحت اسم “مجلس التعافي المؤقت” يتولى إدارة الشؤون المدنية والخدمات الأساسية، على أن تكون مهامه “تقنية وغير سياسية” بهدف منع الفراغ الإداري في المرحلة الأولى بعد وقف الحرب. هذا المجلس سيعمل بالتوازي مع القوة الدولية وبالتنسيق مع مصر وإسرائيل.
  • يتضمن المقترح كذلك إنشاء صندوق ائتماني مخصص لإعادة إعمار غزة تحت إشراف البنك الدولي وشركاء دوليين، مع آلية رقابية، لضمان تدفق الموارد المالية وعدم تحويلها.
  • أكثر بنود المسودة إثارة للجدل هو الإشارة التي أُدخلت في النسخة الأخيرة حول “مسار محتمل نحو إقامة دولة فلسطينية” بعد استيفاء شروط أمنية وسياسية محددة. تقول مصادر دبلوماسية إن واشنطن أضافت هذا البند لكسب تأييد عربي، لكنه أثار اعتراضات إسرائيلية وانتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها.

“هذا مشروع خطير”: رفض الفصائل الفلسطينية
رفضت الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، مسودة القرار الأمريكي بشكل قاطع، واصفةً المقترح بأنه “تحويل للاحتلال إلى وصاية دولية”. وفي بيان رسمي، قالت الحركة، إن أي وجود لقوة أجنبية على أرض غزة يُعدّ “مشروعًا خطيرًا يهدف إلى نزع جوهر المقاومة الفلسطينية وإخضاع القطاع لإدارة مفروضة من الخارج”. ويضيف ناطقون باسم الحركة، أن بند نزع السلاح على وجه الخصوص “لن يُقبَل تحت أي ظرف”، معتبرين أنه “محاولة لفرض استسلام سياسي مغلَّف بغطاء إنساني”.
التقارير التي نشرتها صحيفة تايمز أوف إسرائيل تشير إلى أن موقف حماس ليس تكتيكياً فحسب، بل يمثل استراتيجية ثابتة تدرك الحركة أنها أصبحت جزءًا من ميزان القوة الإقليمي، وبالتالي ترى أن أي قوة دولية بلا توافق فلسطيني داخلي ستعجز عن اكتساب شرعية على الأرض. هذا الرفض، بحسب محللين، يزيد من صعوبة تنفيذ أي تفويض دولي دون وجود مسار سياسي موازٍ يضمن قبولًا شعبيًا.

“تهديد للشرعية الداخلية”: اعتراضات إسرائيلية وضغوط سياسية محلية
في إسرائيل، أثارت المسودة الأميركية حالة من القلق السياسي داخل حكومة بنيامين نتنياهو، خاصة مع تضمين النص إشارة إلى “طريق محتمل نحو إقامة دولة فلسطينية”. أعضاء بارزون في اليمين القومي والديني اعتبروا، وفق ما نشرته “رويترز”، أن هذا البند يمثل “مساسًا بجوهر الأمن القومي وخطًا أحمر لا يمكن قبوله”.
تقارير “رويترز” نقلت كذلك عن مصادر في مكتب نتنياهو أن الحكومة تتعرض لضغوط داخلية مكثفة من شركائها في الائتلاف لسحب أي تعاون مع واشنطن إذا لم تُعدَّل صياغة البند المتعلق بالدولة الفلسطينية. بعض الوزراء ذهبوا إلى حد التحذير من “تداعيات سياسية قد تهدد استقرار الائتلاف” في حال مرّ القرار بصيغته الحالية. هذه الاعتراضات تعكس أزمة ثقة داخلية، وتضع الولايات المتحدة في موقف حساس بين رغبتها في تمرير القرار وحاجتها لإبقاء إسرائيل ضمن دائرة التنسيق.

“مخاوف إقليمية وسيادية”: تحفظ دول عربية وخليجية على التفويض القانوني
رغم الترحيب العربي العام بأي مبادرة تحمي المدنيين وتخفف الكارثة الإنسانية، فإن دولاً رئيسية في المنطقة — مثل السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى — أبدت مخاوف واضحة من الغموض القانوني في المقترح الأميركي. وبحسب ما نقلته The Guardian عن دبلوماسيين عرب، فإن تلك الدول تشترط أن يتضمن القرار:

  • تفويضاً محدد المدة
  • صياغة تضمن احترام السيادة الفلسطينية
  • آليات واضحة لتعيين القوة ومحاسبتها
  • فصلًا صارمًا بين مهمة إنسانية مؤقتة وأي صورة من صور الإدارة الخارجية
    هذه التحفظات جعلت بعض العواصم العربية تخطر واشنطن بأنها لن تشارك عسكريًا في أي قوة بدون إطار قانوني محكم. هذا الموقف يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على إظهار أن القوة الدولية “جاهزة للإرسال”، وبالتالي يُضعف عنصر الإقناع قبل التصويت.

“سباق دبلوماسي”: روسيا والصين واحتمال العودة إلى جمود مجلس الأمن
في الجهة المقابلة، تتحرك روسيا والصين بديناميكية عالية داخل مجلس الأمن لتقديم أو دعم مسودات بديلة تركز على الحلول السياسية ورفض أي صياغة قد تُفهم على أنها فرض إدارة دولية طويلة الأمد على غزة. تقارير Security Council Report تؤكد أن موسكو وبكين تعارضان بشدة فكرة نزع السلاح بالقوة، وتعتبران أن المقترح الأميركي يمنح واشنطن نفوذًا مفرطًا في الهندسة السياسية لما بعد الحرب.
هذا المشهد يفتح الباب أمام استخدام الفيتو — أو على الأقل تهديد جدي به — وهو ما قد يدفع المجلس نحو سلسلة طويلة من جولات التفاوض ومحاولات إدخال تعديلات لتجنب الاصطدام. النتيجة المتوقعة، وفق مراقبين، هي إما تصويت منقسم بشدة، أو إرجاء القرار وإعادة تشكيله قبل عرضه مجددًا.

“المنظمات الإنسانية تحذّر”: الأولوية للقدرة على التنفيذ لا للغة الدبلوماسية
وسط زحمة المناورات السياسية، تصرخ المنظمات الإنسانية بصوت مختلف. وكالات الإغاثة الدولية شددت — في بيانات متزامنة — على أن الأزمة الإنسانية في غزة لا تنتظر مفاوضات مطولة، وأن أي مسودة تربط المساعدات بشروط سياسية أو أمنية معقدة ستُفاقم الانهيار القائم في الغذاء والصحة والمياه.
منظمة أطباء بلا حدود ومنظمات أخرى حذّرت من أن “التنفيذ على الأرض أهم من لغة النص”، مطالبةً بتفويض يتيح دخول المساعدات فورًا دون عراقيل. ورغم قوة هذا الضغط الأخلاقي، يعترف مسؤولو الإغاثة أنفسهم بأن هذه الأصوات غالبًا ما تُهمَل أمام حسابات القوى الكبرى داخل المجلس.

التوقع السياسي الفوري: ما الذي سيرجّح كفّة التصويت؟
تُشير مصادر Reuters إلى أن واشنطن قد تلجأ لاستخدام الفيتو إذا رأت أن النسخة المنقحة للمسودة لا تضمن حماية كافية لإسرائيل، أو إذا لم تربط مباشرة بين وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن. وقد سبق أن استخدمت الولايات المتحدة فيتو ضد قرارات مشابهة في سبتمبر 2025، ما يعكس سجلها في حماية مصالحها الإقليمية والأمنية.
وحسب “رويترز”، يعتبر الكثير من الدبلوماسيين أن تأجيل التصويت وإعادة فتح جولة من المفاوضات حول بنود السلطة الانتقالية وصلاحيات القوة الدولية يُعدّ خيارًا عمليًا لتفادي الانقسام العلني وحفظ ماء الوجه للدول الإقليمية المشاركة.
وكما جاء في صحيفة الجارديان البريطانية، قد يتم تمرير نسخة مُعدَّلة من المسودة تتجنب البنود الأكثر إثارة للجدل، مثل تأجيل أي إشارة صريحة إلى “مسار الدولة الفلسطينية”، مع الاتفاق على بنى إجرائية واضحة لتحديد الدور القانوني للقوة الدولية لاحقًا. هذا المسار يتطلب ضمانات من الدول الإقليمية ومشاركة أممية واسعة.

تحليل استراتيجي: ماذا يعني كل احتمال على الأرض؟
فيتو أو فشل النص: استمرار الفراغ المؤسسي في غزة، مع احتمال لجوء جهات إقليمية إلى مبادرات ثنائية أو جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وزيادة المخاطر الإنسانية والتصعيد العسكري. حسبما أوردت وكالة رويترز.
تبنّي نص دون إجماع محلي: يمكن أن يولّد واقعًا من “القوة على الورق” يفتقر للشرعية المحلية، وقد تتحوّل المعارضة المسلحة إلى مقاومة جديدة ضد الوجود الدولي، ما يضعف فعالية أي تحسينات أمنية أو إنسانية. وفقًا لصحيفة تايمز أوف إسرائيل،
حل تفاوضي متدرّج: إذا تم التوصل لصيغة توافقية ترضي الدول الإقليمية وتضع آليات محكمة للمساءلة والزمن، فهناك فرصة لبدء إصلاحات إنسانية سريعة، مع خطة طويلة الأمد لبناء مؤسسات فلسطينية قوية. لكن هذا يتطلب وقتًا وسياسات مراقبة دقيقة. كما أوردت صحيفة الجارديان.

المصادر:

https://www.reuters.com/world/middle-east/un-security-council-vote-us-resolution-trumps-gaza-plan-2025-11-17/?utm_source=chatgpt.com

https://www.reuters.com/world/middle-east/russia-proposes-its-own-un-resolution-gaza-challenge-us-draft-2025-11-13/?utm_source=chatgpt.com

https://www.theguardian.com/world/2025/nov/17/un-to-vote-on-gaza-stabilisation-force-plan-palestinian-state?utm_source=chatgpt.com

https://www.theguardian.com/world/2025/nov/10/uae-says-it-will-not-join-gaza-stabilisation-force-without-clear-legal-framework?utm_source=chatgpt.com

https://www.aljazeera.com/news/2025/11/16/israel-pushes-us-to-close-door-on-palestinian-statehood-before-un-vote?utm_source=chatgpt.com

https://apnews.com/article/464cfda6fbec02b8553a9df9d093df06?utm_source=chatgpt.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى